محمد بن محمد بن هبة الله الحسيني الأفطسي

35

المجموع اللفيف

عليه ، فأخرجني إلى الجبّان ، فلما أصحر [ 1 ] تنفّس الصّعداء ، ثم قال : [ 2 ] ( ( يا كميل بن زياد ، إنّ هذه القلوب أوعية ، فخيرها أوعاها ، فاحفظ ما أقول لك : الناس ثلاثة ؛ فعالم ربّاني ، ومتعلّم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع أتباع كلّ ناعق ، يميلون مع كل ريح ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق ، يا كميل بن زياد [ 4 و ] العلم خير من المال ، العلم يحرسك ، والمال تحرسه [ 3 ] ، والمال تنقصه النّفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق [ 4 ] ، والعلم حاكم ، والمال محكوم عليه ، يا كميل بن زياد ، هلك خزّان الأموال ، والعلم باق والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة ، وآثارهم موجودة ، ها إنّ هنا لعلما جمّا - وأشار إلى صدر - لو أصبت له حملة ، بلى أصبت لقنا غير مأمون ، مستعملا آلة الدين للدنيا ، ومستظهرا بنعم اللّه على أوليائه [ 5 ] ، ويحججه على دينه ، أو منقادا لأهل الحق لا بصيرة له في إحنائه ، ينقدح الشكّ في قلبه الأول عارض من شبهة ، ألا ، لا ذا ولا ذاك ، أم منهوما باللذة ، سلس القياد للشهوة ، أم مغرما [ 6 ] بالجمع والإدخار ، ليسا من رعاة الدين في شيء ، أقرب شبها بهم الأنعام السائمة [ 7 ] ، اللهم بلى ، لا تخلو الأرض من قائم للّه بحججه ، إما ظاهرا [ مشهورا ] أو خائفا مغمورا ، لئلا تبطل حجج اللّه وبيّناته ، وكم ذا ، وأين أولئك ، الأقلون عددا ، الأعظمون قدرا بهم يحفظ اللّه حججه وبيّناته ، حتى يودعوها في قلوب أشباههم [ 8 ] ، هجم بهم العلم على

--> ( الإصابة ت 753 ، تهذيب التهذيب 8 / 447 ، جمهرة الأنساب ص 390 ) . [ 1 ] الجبّان والجبانة : المقبرة . أصحر : خرج إلى الصحراء . [ 2 ] الوصية في نهج البلاغة ص 712 - 714 ط مؤسسة المعارف ، بيروت 1996 م . [ 3 ] في نهج البلاغة : ( والعلم يحرسك ، وأنت تحرس المال ) . [ 4 ] بعدها في نهج البلاغة : ( وصنيع المال يزول بزواله ) ، وما بعدها خلاف كثير في الرواية . [ 5 ] في نهج البلاغة : ( على عباده ، وبحججه على أوليائه ) . [ 6 ] في النهج : ( أو منهوما . . . . أو مغرما ) . [ 7 ] بعدها في النهج : ( كذلك يموت العلم بموت حامليه ) . [ 8 ] في النهج : ( حتى يودعوها نظراءهم ، ويزرعوها في قلوب أشباههم ) .