محمد بن محمد بن هبة الله الحسيني الأفطسي
303
المجموع اللفيف
فجلست ، فخرج إليّ خادم ومعه درج ذهب ، ورقعة مختومة ، فقرأت الرقعة فإذا فيها : [ 112 و ] [ مجزوء الرمل ] قد تركناك وحيدا * حلف إيحاش وقلّه فاجعل الخاتم رهنا * وانصرف في دعة اللّه قال : ففتحت الدّرج فإذا فيه خاتم ياقوت أحمر ، فانصرفت من وقتي فاجتزت بابن حبّاب الجوهري ، فقدمت إليه الخاتم وقلت : قوّمه ؟ فقال : أنا أعرفه ، ابتعته للفتح بن خاقان بثمان مائة دينار ، فانصرفت بألف دينار ، لأن الدّرج كان وزنه مأتي دينار . فبلغ إحسان الفتح بأبي عبد اللّه إلى أن غرّر معه بدمه ، وذاك أنّ المتوكل كان يقرّبه ويأنس به ، وكان الفتح يعشق شاهك خادم المتوكل ، واشتهر الأمر فيه حتى بلغه ، وله فيه : [ 1 ] [ الطويل ] أشاهك ليلي مذ هجرت طويل * وعيني من بعد الدموع تسيل [ 2 ] وبي منك والرحمن ما لا أطيقه * وليس إلى شكوى إليك سبيل أشاهك لو يجزى المحبّ بودّه * جزيت ولكنّ الوفاء قليل وكان أبو عبد اللّه يسعى له فيما يحبّه ، فعرف المتوكل الخبر ، فقال : إنّما أردتك لتنادمني لا لتقود على غلماني ، فأنكر ذلك وحلف يمينا حنث فيها ، وطلّق نساءه ، وأعتق مماليكه ، ولزمه حجّ ثلاثين عاما ، فكان يحجّ ، ثم أمر بنفيه إلى تكريت [ 3 ] ، وأنفذ زرافة إليه فقطع طرف أذنه [ 112 ظ ] ، وقال له : يقول لك أمير المؤمنين : ما أعاملك إلا كما يعمل الفتيان . وقيل : إن المتوكل كان يرى مذهب أبي نواس ، وأنه دخل علي غلام فائق الحسن
--> [ 1 ] الأبيات في وفيات الأعيان 1 / 411 ، ط - إحسان عباس . [ 2 ] وفيات الأعيان : ( وعيني دما بعد الدموع تسيل ) . [ 3 ] تكريت : بلدة مشهورة بين بغداد والموصل ، وهي إلى بغداد أقرب ، بينها وبين بغداد ثلاثون فرسخا ، ولها قلعة حصينة في طرفها الأعلى ، راكبة على دجلة ، وهي غربي دجلة . ( ياقوت : تكريت )