محمد بن محمد بن هبة الله الحسيني الأفطسي
269
المجموع اللفيف
وزعارة [ 1 ] تدرّ عليها الألفاظ ، وكنت أظن ذلك من رجالهم دون نسائهم مكتسبا لا جبلّة [ 2 ] ، ومقتبسا لا طبيعة ، حتى ميزت أضعافه في أصاغر صبيانهم ، وضعائف ولدانهم ونسوانهم ، فعلمت أنّه شيء ولدته التربة ، ونتجته الطبيعة . وزرنا قبر النبي صلى اللّه عليه ، وعطفنا على البقيع [ 3 ] ، إلى تلك المواقف الكريمة والآثار القديمة ، وتنادى الناس بالمسير والتزود بالماء ، [ 97 و ] وسرنا سبعا لا نذوق بلالا [ 4 ] ، وأصبح الحجيج مرملين [ 5 ] ، والإبل طليحة [ 6 ] قد أجهدها السير ، وأضناها العطش ، وأوجفنا [ 7 ] رجاء لوجود الماء بواد وصف لنا أنه لم تزل مفعمة آباره ، مدهقة [ 8 ] حفاره ، فهجمنا منه على قفر لا يغمر صوفة ببلّة ، ولا ينقع بعوضة من غلّة ، وطوى الناس السير ، والسماء مصحية سافرة القناع ، والأرض عابسة مغبرّة البقاع ، فبينا نحن كذلك حتى أرعدت وأبرقت ، وأرخت عزاليها [ 9 ] ، وتدفقت ، فوالله الذي وجهي زمم [ 10 ] بيته ، إن الاكلا ولا [ 11 ] حتى رويت الإبل من عند أخفافها ، وملئت القرب والسطائح [ 12 ] ، وتزود الناس ، واكتفوا وأرووا ، أو ارتووا ، ثم أقشعت
--> [ 1 ] الزعارة : سوء الخلق ، والأزعر السافل السيئ الخلق ، والزّعر : الشطّار والعيّارون . [ 2 ] الجبلّة : الخلقة والطبيعة . [ 3 ] البقيع : هو بقيع الغرقد ، مقبرة أهل المدينة ، وهي داخل المدينة ، وسمي بقيع الغرقد ، والغرقد : كبار العوسج . ( ياقوت : بقيع الغرقد ) [ 4 ] البلال : ما يبلّ به الحلق من ماء ونحوه . [ 5 ] مرملون : نفد زادهم وافتقروا . [ 6 ] طليحة : مجهودة مهزولة . [ 7 ] أوجفنا : أسرعنا في السير . [ 8 ] مدهقة : مملوءة مترعة . [ 9 ] أرخت عزاليها : انهمرت بالمطر وكثر نعيمها ، والعزالي : مصب الماء من القربة . [ 10 ] زمم بيته : تلقاء بيته . [ 11 ] كذا جاءت في الأص : ( إن الاكلولا ) ولم أهتد لوجهها . [ 12 ] السطائح : المزادات ، وقرب الماء الصغيرة .