محمد بن محمد بن هبة الله الحسيني الأفطسي
187
المجموع اللفيف
الأول ابن عمرو بن امرئ القيس ، وأمّه الشقيقة بنت أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان ، وهو الذي تعبّد وساح ، فلا يدرى إلى ما صار أمره . قال ابن الكلبي : كان امرؤ القيس هذا ذا جمال ومنطق ، وكان طويل المصاحبة للذات ، كثير العكوف على اللهو ، وكان مع ذلك يرجع إلى عقل أصيل ، ورأي ثابت ، فخرج يوما في بعض ملاهيه ، إمّا متبدّيا أو متصيّدا ، فانقطع عن أصحابه ، فإذا هو برجل كالمفآد [ 1 ] عليه أطمار ، قد جمع عظاما من عظام الموتى ، وهي بين يديه ، فقال له الملك : ما قصتك أيها الرجل ؟ وما بلغ بك ما أرى من سوء الحال ، وشسوف [ 2 ] الجسم ، وتلويح اللون ، والانفراد بهذه الفلاة ؟ فقال له الرجل : أمّا ما ترى من تغيّر حالي ، ونحول جسمي وشحوبي ، فأني على جناح سفر بعيد ، وبي موكلان مزعجان يحدوان بي إلى منزل ضنك المحلّ ، مظلم القعر ، كريه المقرّ ، ثم يسلماني إلى مصاحبة البلى ، ومجاورة الهلكى ، بين أطباق الثّرى ، فلو تركت بذلك المضجع [ 64 ظ ] مع جفائه وضيقه ووحشته ، ويقطع أعضائي فيه ، وارتعاء ، أحناش الأرض [ 3 ] في لحمي وعصبي وعظامي ، حتى أعود رفاتا ، وتصير
--> - وهو أول من عاقب بالنار ، ولذلك قيل له : محرّق وكان ملكه خمسا وعشرين سنة ، ولما مات ولي مكانه ابنه النعمان بن امرئ القيس ، وهو ابن الشقيقة ، قال الطبري : هي شقيقة بنت أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان ، وهو صاحب حليمة ، وصاحب الخورنق . . . وهو الذي ترك ملكه ولبس المسوح وخرج مستخفيا هاربا لا يعلم به ، وأصبح الناس لا يعلمون بحاله إلى أن علموه . . . وكان ملكه إلى أن ساح في الأرض ثلاثين سنة ، ويقال له السائح الأعور ، وهو باني الخورنق والسدير في جهة الحيرة على مياه الفرات . ( المصدران السابقان باختصار ، وتاريخ ملوك سني الأرض لحمزة الأصفهاني ص 88 ط - دار مكتبة الحياة ، بيروت د . ت ) . [ 1 ] المفآد : أداة يشوى بها اللحم ، وأداة يحرك بها التنور ، يريد أنه ضامر هزيل مسودّ كالمفآد . [ 2 ] شسوف الجسم : يبسه ، والشسيف : اللحم يكاد ييبس . [ 3 ] أحناش الأرض : أفاعيها ، والحنش : حيّة عظيمة سوداء ليست من ذوات السموم ، وارتعاؤها : أي تأكل لحمه ، فجسمه لها كالمرعى .