محمد بن محمد بن هبة الله الحسيني الأفطسي

125

المجموع اللفيف

فلما أعياه العلاج قال لشيخ من مشايخ متطببي الروم : ويحك قد أعيانا داء هذا الفتى ، فقال : [ 43 و ] أمّا كلّ علاج يعالج به مثله فقد عالجناه به ، ونحن نجد في بعض كتب النبوة أنه لا يصيب هذا أحدا فلا يقلع عنه إلا بذنب ، ومن ذلك العقوق ، فدعاه أبوه فقال : ما تسمع ما يقول فلان ؟ فبكى وقال : لئن كان ذلك كذلك ، لقد عققتك ، وسعيت في سفك دمك ، أتذكر ما وقفك عليه الرشيد في باب كذا وكذا ؟ قال : نعم ، قال : فأنا كنت سببه ، حتّى عدّ له أشياء في ذلك الباب ، فكان ذلك الداء به حتى قتل . [ مثل في الوفاء ] قال : كان رجل ممن يبيع حليّ الصبيان المعمول من الطين ، قال : فأوي يوما إلى في [ 1 ] قصر الفضل بن يحيى ، وغلبته عيناه فنام ، وخرج الفضل بن يحيى راجلا بين يديه ، وخلفه الخدم يريد بعض منازلهم ، فلما قربوا من الرجل صاحوا به ، فوثب مذعورا ، وتناول ما كان بين يديه فسقط لفرعه [ 2 ] فزجرهم الفضل عنه ، ووقف عليه فقال : ما هذا معك ؟ فقال : حليّ الصبيان أعمله من الطين يشتري منه الصبي بالكسرة والفلس وما أشبه ذلك ، قال : أفيأتيك منه قوت ؟ قال فقال : ربّما أتى ، وربّما قصّر ، قال : احملوا ما معه ، قال : فحمل ودخل إلى جواربه ، فلما رأينه استبشرن وجعلن يضحكن ، قال فقال : من منكن تريد منه شيئا ، قال : فابتدرن كلهنّ ، فقال : لا ، من أخذت منه شيئا فلتضع مكانه من حليها مثله ، فابتدرن إلى ذلك توخيا لموافقته ، ثم قال : احملوه إليه ، إلى الرجل ، فأخذ ما لا يعرف [ 43 ظ ] له قيمة كبيرة ، فلم يزل من مياسير أهل زمانه ، حتى بلي البرامكة ، فلما بلوا جاء فاتخذ دكانا فأقام [ 3 ] بإزاء حبسهم ، فلم يزل مقيما فيه ينفق عليهم حتى أنفد ما كان معه . [ مختارات شعرية ] وأنشد : [ البسيط ]

--> [ 1 ] الفيء : الظل بعد الزوال ينبسط شرقا . [ 2 ] الفرع : الطول ، أي سقط من طوله . [ 3 ] في الأصل : ( فاتخذ دكان فامي ) وهو تحريف .