القاضي النعمان المغربي

71

المجالس والمسايرات

أقول هذا إلّا تفضيلا لمحمد صلّى اللّه عليه وعلى آله إذ جعل اللّه عزّ وجلّ هذه الكرامة والفضيلة له بأن جعلها في ذرّيته وخلّدها في عقبه ، فنالوا ذلك بكرامة اللّه عزّ وجل له ، لا أنّ فضله هو إنّما كان من قبلهم بل هو سيّدهم وسيّد العالمين وبه شرفوا وبفضله استحقّوا ما استحقّوا ، وذلك من نعمة اللّه وجميل صنعه إليه . فهذا يدلّ على ما ذكرته ويؤيد ما قدّمته من إكرام اللّه الأئمّة بما يريهم من الفضل في الصفوة من ذرّيّاتهم في أيّام حياتهم لتشفّ « 1 » أنفسهم بصنعه لهم بعد وفاتهم . ومن هذا / الوجه ، وممّا يدخل في هذا المعنى ، ما حدّثني به بعض إخواننا عن المنصور باللّه صلوات اللّه عليه أنه قال : أردت أن أستعمل على بعض الثغور عاملا فجوّلت فكري في اختيار من أراه يصلح لذلك فلم يقع اختياري كلّما أجلته ، وفكري كلّما صرفته [ إلّا على رجل من أصحابنا ، فلمّا كان اختياري ] « 2 » لا يقع إلّا عليه علمت أنّ ذلك من توفيق اللّه . فأردت امتحان ما عند اللّه عزّ وجلّ لمن رجوته لمقامي وآثرته بأمري . فكتبت اسم الرجل الذي خطر ببالي في ورقة وختمت عليها ووضعتها بين يديّ ودعوت به - يعني المعزّ لدين اللّه صلوات اللّه عليه - فسلّم ثم وقف ، فقلت : يا بنيّ أردت إخراج عامل إلى بلد / كذا وكذا - وذكرت البلد - فمن تراه يصلح لذلك ؟ فقبّل الأرض وقال : يا مولاي ، وأيّ رأي لي مع رأيك ، واللّه يمدّك بالتوفيق ؟ فقلت : قل عليّ ذلك . فامتنع من القول وجعل يعتذر ويستعفي . فقلت له : لا بدّ من أن تقول في ذلك ، فإنّي ذكرت رجلا ، واسمه في هذه الرّقعة فخذ أنت فاكتب من تراه . ( قال ) فلمّا لم يجد من ذلك بدّا تناول قلما ورقعة وكتب ، ودفع إليّ الرقعة فإذا فيها « 3 » اسم الرجل الذي وقع اختياري عليه ، فحمدت اللّه على ما أنعم به علي فيه ، ورميت إليه بالرقعة التي ختمت عليها ، وفيها ذلك الاسم وقلت له : فكّها

--> ( 1 ) في الأصل : لنشق . ( 2 ) في الكلام نقص ، والزيادة منا . ( 3 ) في الأصل : فيه .