القاضي النعمان المغربي

554

المجالس والمسايرات

وأيقنوا أن لا حول ولا قوّة إلّا به ، إلّا أيّدهم اللّه بنصره ، وذلك قوله لا شريك له حكاية عن طالوت وأصحابه في قوله : « وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الظالمين « 1 » » . وقوله وهو أصدق القائلين : « كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ « 2 » » . ثمّ قال المعزّ لدين اللّه ( ص ) : قد جاءتنا الفتنة ونحن في سبعين ألف / مقاتل أو يزيدون فاستخفّوا بالعدوّ ، فما زال يصيب منهم وينقص من عددهم حتّى هلك الجبّارون منهم والمخالفون والواثقون بأنفسهم ، حتّى إذا لم يبق منّا إلّا سبعمائة رجل « 3 » ، والعدوّ في ما لا يحصى عدده ، أظهرنا اللّه عليهم ، وأظفرنا بهم ، ومكّننا من رمّة رئيسهم ، وفرّق جمعهم ، وقتلهم بأيدينا وأيدي أوليائنا الذين أخلصوا للّه وتوكّلوا عليه ، وأيقنوا أن لا حول ولا قوّة إلّا به ، وعلموا ضعفهم وقلّة عددهم ، وأهلك عدوّنا لما بطروا وأشروا وأعجبتهم أنفسهم ممّا نالوا . وهذه سنّة اللّه في الأوّلين والآخرين . ثمّ أومأ بيده إلى رجل من أوليائه قد كان خرج في / بعث فأصابته نكبة فقال : واللّه لقد قال لي هذا وقد توجّه إلى الموضع الذي كان فوّض إليه لمّا رأى ما معه من الجمع والعدّة : واللّه لو أمر [ ت ] ني أن أخرق بهؤلاء إلى أطراف الأرض لخرقت . ( قال ) قلت له في الوقت : لا تقل مثل هذا ولا يدخلك العجب بنفسك وبمن معك ، وتوكّل على اللّه ، وثق به وبنصره . فناله ما قد ناله . ولا أظنّ ذلك إلّا لإعجابه بمن كان معه وما تهيّأ له من القوّة ، وإن كان بعد ذلك قد زكا عمله ، وفتح اللّه على يديه وأظفره ، لما عوّدنا من فضله . وكذلك هؤلاء البربر الأنذال : قد كنّا أمرنا من يخاطبهم في ردّ ما استلبوا لأهل هذه الرّفقة ، فامتنعوا / من ذلك . فلمّا وقع بهم ما وقع ، وإن أفلتوا ، فقد قتل منهم بشر كثير ، وشرّدوا إلى موضع لا يقيمون به إلّا هلكوا خصاصة ، فأرسلوا

--> ( 1 ) البقرة ، 250 . ( 2 ) البقرة ، 249 . ( 3 ) كان الجيش الفاطمي يعد سبعين ألف مقاتل حين اندلعت ثورة أبي يزيد ، فنقص إلى سبعمائة رجل هذا التقدير من المعز لم يذكر عند المؤرخين ، فيما نعلم .