القاضي النعمان المغربي

512

المجالس والمسايرات

قد حووا ما حويناه ، ووعوا ما وعيناه ، وبلغوا من فضل اللّه إلى حيث بلغنا / إليه . ونكنّ اللّه ( عج ) منحنا من ذلك بفضله ما منحناه وأعطانا منه ما أعطاناه ، وجعل لنا أن نعطي من ذلك من رأينا أن نعطيه ما رأيناه ، ونمسك عمّن رأينا الإمساك عنه ، لقوله جلّ من قائل : « هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ « 1 » » . وليس ينبغي لنا أن نعطي الناس كلّ ما في أيدينا ولا أن نبخل عليهم بما أعطينا ، ولكنّا نعطي من ذلك ما نعطيه بقدر كما أوجب اللّه ( عج ) ذلك بقوله : « وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً « 2 » » وقال : « وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ « 3 » » . ولم يجعل اللّه ( عج ) لمن أعطاه / حطام عاجل الدنيا ووسّع منه عليه أن يخرج من جميعه إلى من افترض نفقته عليه ، وإنّما جعل له من ذلك قدر ما يقوم به ويكفيه دون ان يخرج من جميع ما أعطاه إليه . قال جلّ من قائل : « وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ / . . . / إلى . . . « مَعْرُوفاً « 4 » » . وقال : « وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ « 5 » » . فإذا كان هذا أمره ( عج ) بالاحتياط على حطام الدنيا الذي هونه وزهّد فيه ، فكيف بما عظّمه وشرّفه وحضّ عليه من العلم والحكمة وما لم يؤته إلّا لمن ارتضاه من عباده ، ولم يستحفظ عليه إلّا من « 6 » ارتضى من خلقه ؟ ولو أنّهم شكروا على ما أوتوه وعرفوا فضله / وعملوا به ، لزيدوا منه ، فكانوا على خير ما امتدّت بهم الأعمار حتّى يلقوا اللّه وهم لفضله شاكرون ، ومنه متزيّدون . ولكنّ أحدهم لا يرضيه إلّا أن يأتي على كلّ ما عندنا ونحويه ولم يجعل

--> ( 1 ) ص ، 39 . ( 2 ) الفرقان ، 67 . ( 3 ) الاسراء ، 29 . ( 4 ) في « أ » و « ب » : « جعلها » ولعلها احدى القراءات . وقد اختصرت الآية فيهما ، وعوض المحذوف بحرف « إلى » وتمامها هو : « . . . الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً » ( النساء ، 5 ) . ( 5 ) الإسراء ، 26 - 27 . ( 6 ) ب : إلا لمن . . .