القاضي النعمان المغربي
441
المجالس والمسايرات
نعمته وخيره علينا وعلى أهله أوسع وأكثر من خيرهم على بنيهم / وأهليهم أضعافا مضاعفة ، حتّى لقد كنّا نستكثر ذلك ونقول له فيه ، ونذكر أنّه لا حاجة لنا بكثير ممّا يصيّره إلينا من الخيرات ، فيقول : اتّسعوا وتمتّعوا ! فهذا فضل من فضل اللّه استعملني له فيكم « 1 » ، واستخدمني فيه لإرفادكم وحسن معايشكم ، ومن وسّع اللّه عليه فينبغي له أن يوسّع على من جعل أمره إليه . فكنّا أفضل أهل الجماعة من الأقارب ، حتّى إذا أصار اللّه الأمر إليه ، اشتغل بأمر الأمّة وأعرض عنّا وعن نفسه وقصّر بنا وبه عن كثير ممّا كان عوّدنا وتعوّد ، حتّى لقد قال له بعض العيال - ممّن ألم لذلك - : ليت أنّا كنّا بحسب ما كنّا « 2 » قديما قبل أن يفضي إليك / هذا الأمر ! فقال : كنتم يومئذ همّي وحدكم ، وأنا اليوم أهتمّ بجميع الأمّة « 3 » . ثمّ قال ( ص ) : لقد مضى - قدّس اللّه روحه وصلّى اللّه عليه - وما تمتّع من الدنيا بما يتمتّع به من يملك مائة دينار فما دونها ، وقاسى من الحروب والتّعب والنصب ما على اللّه ثوابه ، ونحن اليوم نتقلّب في النّعم ونمسي ونصبح في الدّعة والأمن واستقامة الأمور لنا فيما نحمد اللّه حقّ حمده عليه . وما فكّرت فيما كان فيه ( ص ) وفيما أنا اليوم بسبيله إلّا ذكرت ما كان عليه داود من الحروب والتعب والنصب ، وما أصار اللّه ( تعالى ) إليه سليمان ( عم ) بعده من الملك والسّعة والبسطة واستقامة الأمور . ثمّ حمد اللّه وأطرق ملّيا وظهرت عليه خشية وكآبة ، واستعبر ( ص ) ، إعظاما لنعمة اللّه ( عج ) عنده وما وهبه اللّه له وأنعم عليه به ، وإن كان ما يتلذّذ في
--> ( 1 ) ب : فيه لكم فيكم . ( 2 ) بحسب ما كنا ، ساقطة من ب . ( 3 ) نجد في سيرة الأستاذ جوذر ( ص 62 ) نص رسالة من المنصور في هذا المعنى جاء فيها : « فاسألوا أهلي وولدي كيف كان إحساني إليهم وافضالي ونعمتي عندهم . واللّه ما كانوا يرضون مني بما يكفي ويزيد حتى يأخذوا مني اسرافا جزافا ، وانهم بعد أن أفضت إلي الإمامة والخلافة لقد ضاعوا بعدي وعدموا الفضل والاحسان الذي كنت عودتهم إياه ، لشغلي بأثقال ما حملت من أمر العباد عن التجارة ، وما كنت عودته أهلي وولدي من تلك العادة » . وقد تنبه ناشرا السيرة إلى قرابة النصين فأوردا نص المجالس هذا في تعليقهما ( عدد 67 ) على رسالة المنصور . ولا نستبعد أن يكون النعمان استلهم حديث المعز هذا من رسالة المنصور .