القاضي النعمان المغربي
384
المجالس والمسايرات
أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ » وإنّما كان كفرهم بعد الإنذار والدعاء « 1 » إلى الإيمان فأبوا منه وكفروا ؟ فاستغطاؤه هذا أن يحول بينهم بعد هذا وبين الإيمان ، هل يدفع أنّه يميتهم ، والموت حائل بينهم وبين الإيمان إذا كانوا قد أصرّوا على الكفر ، فلا يكون في ذلك لهم حجّة عليه ، بل له الحجّة البالغة . ثمّ قال ( صلع ) : أليس قد قال اللّه ( عج ) : « كَلَّا بَلْ رانَ / عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ « 2 » » وقال : « وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ » ؟ وكلاهما ستر ولكنّ الغشاوة أخفّ وأدقّ ، والرين أغلظ ، فجعل ذلك على القلب لأنّ البصر به يبصر وقد يرى البصر كثيرا ما يراه فلا يثبت إلّا ما صرف الناظر قلبه إليه ، قال اللّه ( عج ) : « وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ « 3 » » ، وقال : « فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ « 4 » » . وذكر مثل القلوب ومثل الأبصار من الباطن فأوضح المعنى في ذلك وبيّنه ودلّ به على ظاهر القول فيه . مجلس في أمر أمضاه ( صلع ) : 199 - ( قال ) وكان رجل معروف بالأذى للناس والسعاية بالباطل بهم ووسمهم بالمثالب / والمعايب قد أغرق في ذلك وأكثر فيه ، وفشا شرّه وأذاه ، واتّصل ذلك بالمعزّ ( ص ) وتقرّر عنده مرّة بعد مرّة وكلّ ذلك يغضي عنه ويتشبّث في أمره إلى أن واجهه بذلك ورفعه إليه وتبيّن له من أمره ما لم يجد بدّا من عقوبته عليه ، فأمر به فعوقب عقوبة مثله . ثمّ أجرى ذكره بعد ذلك ( ص ) فقال : إنّا لنغضي ونصبر ونعفو ونتغافل ونستر ما أمكن الصبر والعفو والسّتر ، وننتظر « 5 » بذلك ونتثبّت فيه لئلّا يكون منّا أمر ف / ي / تبيّن لنا بعده خلاف ما أوجبه ، فنندم عليه . ونحن نقدر على أن نعاقبه بالقتل فما دونه ، فإن تبيّن لنا بعد ذلك براءة من قتلناه ، لم نستطع / أن نحييه ، لأنّ ذلك شيء إنّما تفرّد اللّه جلّ اسمه ، به وحده . فلذلك نؤثر الأناة فيما يرفع إلينا ،
--> ( 1 ) الدعاء في معنى الدعوة ، وهو كثير في الكتاب . ( 2 ) المطففون ، 14 . ( 3 ) الأعراف ، 198 . ( 4 ) الحج ، 46 . ( 5 ) أو ب : نستظهر .