القاضي النعمان المغربي

382

المجالس والمسايرات

فقال المعزّ لدين اللّه ( ص ) : من هاهنا تاه القوم فضلّوا وهلكوا . وسكت ساعة ، وصوّب رأسه ، ثمّ نظر في المجلس يمينا وشمالا فلم ير أحدا يكره الكلام بحضرته . قال : إنّ الكلام إنّما « 1 » يبنى على أصوله . ثمّ ابتدأ / بتفسير « ألم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ » وشرح ذلك من الباطن بما يعجز القائلين ويبهر السامعين ، ثمّ ذكر المتّقين بصفاتهم ومن هم ، وذكر الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة والذين ينفقون ممّا رزقهم ومن هم ، وشرح ذلك شيئا شيئا شرحا شفى به القلوب وأزال الشّكّ وأذهب الحيرة . ثمّ قال : والذين لا يؤمنون فهم كما وصفهم اللّه ( عج ) : « فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى « 2 » » ، فمن بصّره اللّه الهدى وقوّاه عليه وأمره ونهاه فاهتدى بهداه وقبل عنه أمره وانتهى بنهيه وحافظ على حدوده ، زاده اللّه ( عج ) من الهدى كما قال وآتاه التقوى ، ومن لم يقبل على الهدى وعصى / اللّه فيما أمره به وارتكب ما نهي عنه ، ففي أذنيه وقر ، وهو كما قال اللّه ( تعالى ) ، عليه عمى . ثمّ قال : وهذا الهدى للمتّقين هو من لطائف اللّه ومنّته وإحسانه التي ذكرها هذا القائل أوّلا في أمّ الكتاب « 3 » ، ونسي ذلك فخالفه في هذا الباب . فذكرت عند قول المعزّ ( عم ) قول جدّه عليّ أمير المؤمنين ( عم ) وقد سأله سائل عن الإيمان والإسلام ، ما كلّ واحد منهما ؟ فقال : الإسلام الإقرار ، والإيمان الإقرار والمعرفة ، فمن عرّفه اللّه نفسه ونبيّه وإمامه فأقرّ بذلك ، فهو مؤمن . قال له السائل : فالمعرفة من العبد والإقرار منه ؟ قال : المعرفة من اللّه حجّة ومنّة ونعمة ، والإقرار منّ من اللّه يمنّ به على / من يشاء من عباده ، والمعرفة أيضا صنع اللّه في القلب ، والإقرار فعل القلب . وكلّ ذلك منّ من اللّه ورحمة . فمن لم يجعله اللّه عارفا فلا حجّة عليه ، وعليه أن يقف عمّا لا يعلم ، ولا يعذّبه اللّه على جهله ويثيبه على عمله بالطاعة ، ويعذّبه على عمله بالمعصية ، ولا يكون شيء من ذلك إلّا بمنّ اللّه وفضله وقضائه

--> ( 1 ) أ : سقطت : إنما ( 2 ) فصلت ، 44 . ( 3 ) الفاتحة . وقد مر السؤال عن « اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ » . . . ص 380 .