القاضي النعمان المغربي
347
المجالس والمسايرات
فيه ، لكنّا أحبّ الناس إليهم ، ولما ثقل شيء من أمرنا عليهم . وبمثل / هذا رأى المتغلّبون أنّهم ساسوا أمرهم . ثمّ قال ( صع ) : وقد أجابنا إلى ذلك ، اليوم ، وسلّم إلينا بحمد اللّه أكثر الناس عارفين لحقّ اللّه عليهم ، فيه . ( ف ) أفكرت فيما قاله ( صع ) فوجدت سيرة من شاهدناه وبلغنا عنه من بني أميّة وبني العبّاس وأتباعهم وعمّالهم على أكثر ما وصفه ( صع ) ، إذ من أجل ذلك دخل الفساد في الدين والوهن على الإسلام والمسلمين ، لأنّهم كانوا يرون أنّ من الحزم عند المتغلّب منهم والرأي والتدبير ألّا يعرف الناس مذهبه ، وأن يرى أهل كلّ مذهب أنّه على رأيهم ليجتمعوا عليه ويولّوا القضاء كذلك من كلّ أهل مذهب ، يعزلون من / هؤلاء ويولّون من هؤلاء ليروهم أنّهم راضون بمذاهبهم كلّها ، وعاملون بها بأسرها ، وكذلك يخلون بين أجنادهم ومن يعدّونه للحرب من رجالهم وبين ظلمه رعاياهم وتناول ما تناولوه من أموالهم ، وتعدّوا عليه من حرمهم في كثير من أحوالهم ليرضوهم بذلك ويستعطفوهم . فأمّا أهل الفسق والباطل فيخالطونهم ويفعلون كثيرا منه مع كثير منهم ولا ينكرونه عليهم لما كان من رأيهم وشأنهم وكانوا عليه . فبهذا رأوا سياسة ما تغلّبوا عليه ، واللّه ( عج ) أعلم بما يصلح عليه خلقه ويستقيم عليه عباده . وقد فرض اللّه فرائضه وبيّن حدوده / ولوازمه وحقوقه ، فلو كانوا من أهلها لاستعملوها وحملوا من استرعاهم اللّه إيّاه من عباده كما أمر اللّه ( عج ) ، عليها . بل إنّما يرون الرأي ويضربون المثل بقول القائل من أوائلهم : خلّوا بين الناس وأديانهم يخلّوا بينكم وبين دنياكم . فهذه سياسة من طلب الدنيا باطّراح الآخرة . فأمّا الأئمّة الذين تعبّدهم اللّه بالقيام بحقّه ، فأسوتهم برسول اللّه صلّى اللّه عليه وعلى آله . وإنّما نتأسّى به ، وبقول المعزّ صلوات اللّه عليه وأولياء اللّه الذين استرعاهم أمر عباده وتعبّدهم بإقامة حدوده وحقوقه في أرضه ، واللّه يحسن عونهم ويصلح عباده وبلاده لهم / .