القاضي النعمان المغربي

335

المجالس والمسايرات

وأمّا ما كان لعباد اللّه ممّا قلّدنيه جلّ ذكره ، فلا أدع منه إلّا ما لا حيلة لي فيه ، ولا استطاعة لي عليه ، وما أعلم أنّ اللّه تعالى يعذرني فيه / ولا يسألني عنه ، لأنّه ( عج ) لا يكلّف نفسا إلّا وسعها . واللّه ما وجدت إلّا ما فعلته . أو أترك « 1 » حقّ اللّه الذي أقام به أود خلقه وجهاد عدوّه وصلاح أمور بريّته ، الذي لو ترك لكان البوار والدّمار في تركه ! وإنّ أكثر ما أمكنني واستطعته ، أن اخترت لذلك أمثل من وجدته يقوم به ويصلح له . ولو دعوت من أراه أفضل منه في دينه لما قام ولا استطاع له ولم يكن يجيب إليه . فضاعت الحقوق ، وكان ذلك سبب ما ذكرته من المكروه . وإذا أنا ندبت أو أندب لذلك أمثل من رأيته ، أمرته بالعدل وحسن السّيرة وأخذ الحقّ بلا زيادة عليه ولا نقص منه . وعهدت في / ذلك إليه وكتبت له كتابا بيده يكون حجّة له وعليه . فإذا صار إلى عمله استقبله من كان يكره العامل والنّاظر قبله ، يحبّ أن يخصّه وأن يكون بطانة له . وأكثر خروج العمّال والمتولّين إنّما يكون قبل وقت أخذ الواجب « 2 » . فلا يزال مشكورا عند أهل عمله ما لم يتناول شيئا من الواجب منهم . فإذا أخذ في ذلك بدأ القول فيه ، فشكاه قوم ، وجاء آخرون يشكرونه . وكنّا على غير يقين بما يقولون . ويأتي هو من الاحتجاج بما يبيّن أكثره . وربّما كان من يشكوه « 3 » يزيد في القول عليه أو يأتي بشيء لم يكن منه . فإذا اتّضح ذلك قويت حجّته وكلامه فلا نكاد نقف من ذلك على صحيح من / سقيم . ويأتي قوم ، فيزكّونه ويشكرونه ، وآخرون يقعون فيه ويذمّونه ، فلا يكاد أمره يتّضح ، ولا ما قيل فيه يفسد ولا يصحّ ، حتّى يأتي على ذلك ما خرج إليه ، وينقص ما تولّاه . ولو ذهبنا أن نكفّ يده في أوّل ما قيل فيه ولم نقف على صحيح أمره لذهبت الحقوق والواجبات ، وتعطّلت الجبايات ، وانكسرت الأموال ، وكان ذلك سبب ما قدّمنا ذكره من فساد الأحوال . ومع ذلك إنّا لا نجد من نثق به فنستظهر بقوله في كلّ بلد وموضع ، ولا نجد أيضا من نرضاه يتولّى ذلك كما ذكرناه ، وتضطرّنا الحال إلى ما نصير إليه ممّا قدّمنا ذكره .

--> ( 1 ) في أو ب : أو ترك . ( 2 ) يعني بالواجب ما يجب استيفاؤه شرعا من الضرائب . ( انظر : الأعمال ص 405 ، والواجبات ص 407 ، والنفقة ص 498 من هذا الكتاب ) . ( 3 ) في أ : يشكره .