القاضي النعمان المغربي
233
المجالس والمسايرات
حقوق العباد أنصفنا منه بحسب الواجب فيه . وما علمنا أو خشينا دخول الفساد / من أجله وأن يترقّى الأمر فيه ، إذا تركناه ، إلى ما هو أعظم منه ، لم يسعنا تركه ، واستعملنا العقوبة فيه بقدر ما يوجبه الجرم ويلزمه الذّنب . وما كان من حقوق اللّه عزّ وجلّ أمضيناه على ما افترضه علينا واسترعانا إيّاه . ولو أنّا أمضينا العقوبة على كلّ ذنب ممّا العفو فيه إلينا ، لأورثنا الإحن وسبّبنا أسباب الفتن على غابر الزمان وزرعنا بين النّاس العداوة وأقمنا لهم سوق الطّلب بالثارات في الأنفس والأعقاب ، على مرّ الدهور والأحقاب ، لأنّ الذي عسى أن ينتصف اليوم منه بسعي ساع سعى عنه « 1 » بذنبه إلينا ، قد تدور له / دائرة السوء على الساعي به يوما ، فيطالبه بثأره أو عقبه من بعده . وهذا القول مأخوذ من قول اللّه أصدق القائلين : « خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ « 2 » » . فأمر اللّه عزّ وجلّ نبيّه محمّدا صلّى اللّه عليه وآله بالتعوّذ به من نزغات الشيطان الحاملة عليه والعرف « 3 » عند الغضب والقدرة . ( قال المعزّ عليه السلام : ) ولقد سمعت المنصور باللّه عليه السلام وقدّس اللّه روحه كثيرا ما يتعوّذ باللّه من ذلك ، ويقول : إنّه ربّما جاءني من الغضب / ما لا أملك معه الصّبر . وهذا نبيّ اللّه موسى عليه السلام قد وصف اللّه ما « 4 » صنعه عند الغضب من أنّه ألقى الألواح التي أنزلها اللّه عزّ وجلّ عليه وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه . ووصف نبيّه محمدا عليه السلام باللين والرحمة ، فقال : « فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ » الآية « 5 » . وقال : « وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ « 6 » » .
--> ( 1 ) ننتظر : به . ( 2 ) الأعراف ، 199 - 200 . ( 3 ) أي الصبر والتأني والحلم . ( 4 ) في الأصل : عما . ( 5 ) آل عمران ، 159 . ( 6 ) المائدة ، 13 .