القاضي النعمان المغربي

222

المجالس والمسايرات

فقال صلوات اللّه عليه : ما أعجب هذا من قولهم ! لئن كان ذلك فالحقّ فيما لا حجّة فيه . ثمّ عطف على القوم فقال : واللّه إنّي لأشهى في تعليمكم وتقويمكم منّي في كلّ شيء أشتهيه لأنّي أحبّ أن تكونوا أعلم الناس وأورع الناس وأحلم الناس ، فلا تدابروا ولا تحاسدوا ولا تقاطعوا ، وأن تكونوا كما سمّاكم اللّه عزّ وجلّ ، إخوانا ، وعلى البرّ والتّقوى أعوانا ، وأن تكونوا أبرارا أطهارا ، ما على أحدكم إن قارف ذنبا أو أحدث إحداثا / أن يطلعنا عليه ويسألنا الاستغفار له ، كما قال جلّ ذكره : « وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً « 1 » » . اجعلونا بينكم وبين اللّه « 2 » واحتجّوا بما نأمركم به وننهاكم عنه لديه ، فنحن واللّه أفضل من جعله العباد بينهم وبين ربّهم . خذوا عنّا ما نأمركم به وامتثلوه ، وعلينا تباعة ما نأمركم به . احفظوا سرّنا / و / اتّبعوا أمرنا وانصحوا لنا وأخلصوا نيّاتكم وأحسنوا طويّاتكم وقولوا الحقّ ولو على أنفسكم ! وعليكم بالورع والاجتهاد والاقتصاد والعفّة والتسليم لأمرنا والردّ كما أمركم اللّه إلينا ، فإنّه يقول جلّ / ثناؤه : « وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ « 3 » » .

--> ( 1 ) النساء ، 64 . ( 2 ) مسألة استغفار الأئمة من المسائل التي اتخذها الإسماعيليون برهانا على أن الإمامة واجبة ، وذلك قياسا على ما كان يقوم به الرسول من استغفاره لمن يستغفر اللّه ، واعتمدوا على أن عدل اللّه يقتضي أن يكون بعد النبي من يقوم بهذه المهمة ، وان الناس بعد انتقال الرسول يجدون من يأوون إليه عند وقوعهم في الخطيئة كما التجأ الناس إلى الرسول في حياته . وفي هذه المسألة يقول الكرماني : « البرهان الخامس : لما كان اللّه - تعالى - عادلا لا يجور ولا يظلم ، وكان تعالى قد خص الأمة التي كانت في أيام النبي - ص - بالفضيلة العظيمة بإيجاده كون الرسول فيما بين ظهرانيهم أمانا لهم من العذاب كما أخبر تعالى بقوله : « وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ » ( الأنفال ، 33 ) ووسيلة لهم يستغفر ذنوبهم عند زلاتهم ، كما أخبر تعالى بقوله في تنزيله : « وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً » ( النساء ، 64 ) . وبقوله حكاية عن المنافقين حين كانوا يدعون ليستغفر لهم الرسول - ص - : « وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ » ( المنافقون ، 5 ) ، ولم يكن أولئك الأمة بهذه الفضيلة من كون الرسول بين ظهرانيهم فاصلا احكامهم معلما لهم معالم دينهم وفرائضهم ، باعثا لهم على طلب الآخرة والجهاد في سبيل اللّه ، مستغفرا لهم عن ذنوبهم ، ولا يوجد مثل فيما بينهم أولى من غيرهم مع كون الرسول رسولا إلى الكافة ، ووسيلة للجماعة ، وجب من حيث أن اللّه ليس بظلام للعبيد ان يوجد في الأمة بعد نبيها من يقوم مقامه ويسد مسده في كونه أمانا لها ووسيلة يستغفر اللّه لها ، ويحفظ نظامها . . . » الكرماني ، المصابيح في اثبات الإمامة ص 85 - 87 . ( 3 ) النساء ، 83 .