القاضي النعمان المغربي
199
المجالس والمسايرات
فلمّا وصل معه إلى مدينة اطرابلس قدّم العامل رجلين على نجيبين إلى برقة لما أراد أن يتقدّم فيه قبل قدومه « 1 » ، فسأله أن يقدّمه / معهما ، ورغب في ذلك فأخبره بما يكون عليه في ذلك من المشقّة لركض النجيب به وسرعة السير . فقال : هذا أحبّ إليّ . فأجابه إلى ذلك لما تقدّمنا « 2 » إليه فيه من قضاء حوائجه . وقدّرنا أنّه إنّما دعاه إلى ذلك ، الخوف من أن نردّه . فمضى مع الرجلين . فبعد أن قطعوا أيّاما صاروا من الليل ، فخرج عليهم لصوص فاشتدّ الرّجلان بنجيبهما واشتدّ معهما ، فرمى به النجيب فسقط إلى الأرض فاندقّ عنقه فمات ، ولم يعلم به صاحباه واستتر عن اللصوص لظلام الليل . وأصابه أهل الناحية من غد بما معه فرفعوا أمره إلى عامل المكان فحاط ما كان معه ودفنه ، وكتب إلينا بخبره كفانا اللّه / مئونته وخلّصنا من الدخول في شبهة من أمره . وهذه عادة اللّه عندنا فيمن غمط إحساننا وكفر نعمتنا وأسلمنا أمره إليه وتوكّلنا فيه عليه ، والحمد للّه ربّ العالمين على ما لا نحصيه من فضله ونعمائه ولا نتعاطى بلوغ شكره من آلائه حمدا كثيرا كما هو أهله ومستحقّه . حجّة في الأخذ عن أولياء اللّه : 97 - ( قال ) وحضر مجلسه يوما بعض النحويّين فقال له : خبّرني عنكم معشر المنتحلين علم النحو واللغة : أليس إنّما أخذ أئمّتكم علم ذلك عن أهل بوادي العرب ، وهم قوم لا يعرفون منه ما تعتلّون أنتم به له ، وتصرّفونه عليه في أبوابه وشواهده وأنحائه ودقائق مخارجه / واختلاف وجوه إعرابه وعروض شعره وفواصله ودوائره بأفاعيله ووجوه علله ؟ فلم كانوا أخذوا ذلك ممّن لا يعرف ما عرفوه عنه ، ولا يدري ما دروه من أسبابه ، وسلّموا إليهم في علمه ، وإن أتوا منه بغير ما يعرفونه وخلاف ما يصرّفونه ؟
--> ( 1 ) في هذه الجملة الطويلة غموض ناتج عن التباس الضمائر الكثيرة ، والمعنى هو : أرسل عامل طرابلس رجلين على ناقتين في حاجة له إلى برقة كان ينويها قبل قدوم الرجل المشبوه في أمره . وبرقة في القديم كانت احدى المستعمرات الإغريقية الخمس ( بنتابوليس ) على السواحل الشرقية من ليبيا . وفي العصور الاسلامية أصبحت عاصمة للإقليم الذي يعرف اليوم بولاية برقة ، حسب عادة العرب في تسمية كامل المقاطعة باسم قصبتها ، وقد اندثرت برقة القديمة وقامت مقامها اليوم قرية المرج على أميال من بنغازي الحالية ( انظر فصل Barka بدائرة المعارف الاسلامية ل J . Despois ) . ( 2 ) أي نحن ، المعز .