القاضي النعمان المغربي
197
المجالس والمسايرات
كلام في مجلس في حمد اللّه وشكره : 95 - ( قال ) وسمعته صلوات اللّه عليه يوما يذكر ما هيّأه اللّه عزّ وجلّ له من إقبال الدنيا عليه / وما كثّره تبارك اسمه من متاعها عنده من صنوف الأموال والخيل والسّلاح والعدّة والطراز ، وما ظهر في أيّامه من بديع الأعمال وغرائب الصنائع التي لا يحكم حذّاق أهل المشرق مثلها ، وأنّ ذلك من صنعة عبيده الذين أفاء اللّه عزّ وجلّ بهم عليه من سبي الرّوم وأنّ مثل ذلك لم يتهيّأ لأحد من ملوك الدنيا مثله ، ثمّ ما هيّأه اللّه تعالى له من قطع الحجارة من الجبال بالمكان الذي لم يكن ملك من ملوك الدنيا قبله قد تهيّأ فيه ذلك له « 1 » ، والذي ابتناه من البنيان واغترسه من الأشجار مع إقبال الخلق بالطاعة له واستقامة الأحوال في أيّامه في جميع مملكته « 2 » . وذكر مع ذلك ضعف / بني العبّاس وما أصارهم اللّه عزّ وجلّ إليه من الذّلة والضّعة ، وما غلبوا عليه من ملكهم وأنّهم كسبيل الأيتام في حجور من تغلّب على مملكتهم يجرون عليهم النفقات وقد حازوا جميع أموالهم وغلبوا على سلطانهم . فحمد اللّه حمدا كثيرا وشكر ما أولاه اللّه ومكّنه وأعطاه وسلبه وانتقصه أعداءه . ثمّ قال ( صلع ) : نبذنا الدنيا واطّرحناها وطلبنا الآخرة وآثرناها ، فأتى اللّه عزّ وجلّ إلينا بالدنيا وهي راغمة ، وأعدّ لنا كريم ما لديه في الدار الآخرة . واللّه ما نال عدوّنا ما ناله من دنياه إلا بتكدير وعلى حال خوف وتغرير « 3 » ، وما يتلذّذون إلّا بمعاصي اللّه ومحارمه عارفين بها لا يشكّون فيها ، أكثر ما يقوله أحدهم / في ذلك ويقال له : إنّما هي دنيا فاستعجل منها ، فما استعجلته فهو الذي تربحه وما تركته منها فقد خسرته . ولا يذكرون معادا ولا يرجون ثوابا . وإنّا بطاعة اللّه وبجلاله لأشدّ منهم تلذّذا في غير معصيته وحرامه ، وما لهم في الدنيا إلّا الخزي والتّعب والنّصب ، ولا في الآخرة إلّا العذاب واللعنة وسوء المنقلب ، فقد خسروا الدنيا والآخرة ، ذلك هو الخسران المبين .
--> ( 1 ) في الأصل : لم يمكن ملكا من ملوك الدنيا قبله به تهيأ فيه ذلك له . ( 2 ) هذا عين الفخار الذي كان المعز منذ حين ( انظر ص 180 - 181 ) يعيبه على عبد الرحمن الناصر ، والإشارات إلى العمران والصناعات هي بعد غامضة مبهمة لا غناء للمؤرخ فيها . ( 3 ) في الأصل : تعزير .