القاضي النعمان المغربي

146

المجالس والمسايرات

قالها ودفعتها العقول الناقصة بعد أن أثبتها « 1 » وقامت حجّة اللّه فيها عليها ، وذلك قوله سبحانه : « وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا « 2 » » . وأمّا قولهم لمّا رأوا العذاب : « وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ « 3 » » ، فإنّما ذلك بما قصر من عقولهم ، وليس مثل هذه العقول ذكرنا ، ولا إليها أشرنا . ولمّا كان / العقل خلق [ ا ] من خلق اللّه لم يكن له بدّ « 4 » من زوج يشبهه لقوله عزّ وجلّ : « وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ « 5 » » ، فباطن العقل في الفضل كمثله ، وما شهد له وثبت عنده وصدّقه فذلك برهان منه له كما قال جلّ ذكره : « فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ « 6 » » . فقبّل الأرض من كان في المجلس بين يديه . وقال ذلك الذي كان يقول [ بقول ] الفلاسفة : على مثل هذا ، واللّه ، دار القوم وأخطئوه ، وحوله حاموا فجهلوه . فقال ( صلع ) : أرأيتم لو حدّثكم رجل صادق عندكم أنّه سمع رجلا مخبولا تكلّم بكلام الخبل ، هل كنتم تمترون في قوله ؟ قلنا : لا . قال : فلو حدّثكم / بذلك عن رجل عاقل فاضل عالم ، أليس كنتم تشكّون في صدقه حتّى تختبروا الرجل الذي حكى ذلك عنه ، فإن أصبتموه على ما كنتم عهدتموه من العقل والفهم والعلم كنتم على ما كنتم ، عليه من الشكّ فيما نقل إليكم عنه لصدق المخبر وحاله التي تدفع عنه وتنفي مثل ذلك الخبر ، لأنّ العقل لا يقطع على صادق بالكذب ، ولا عاقل بالخبل والتخليط ؟ قلنا : نعم .

--> ( 1 ) قالها العقل ، وأثبتها العقل . ( 2 ) النمل ، 14 . ( 3 ) الملك ، 10 . ( 4 ) في الأصل : لم يكن بد له . ( 5 ) الذاريات ، 49 . ( 6 ) القصص ، 32 .