القاضي النعمان المغربي

118

المجالس والمسايرات

واستجاد معناهما وقال عليه السلام : أمّا أخبار الدولة ومن قام فيها وسعى في إقامتها من الدعاة والمؤمنين ، فإنّي أحبّ أن تخلّد أخبارهم هكذا في الباقين ، ويبقى ذكرهم بالخبر في الغابرين ، ويلحقهم فيه دعاء السامعين ، ويعرف ذلك لأعقابهم من بعدهم ممّا أعدّه اللّه عزّ وجلّ لهم من الكرامة في دار المقام ؛ وهذا ممّا يجب علينا لهم من الحفظ والحقّ إذ لم يلحقونا فنؤدّي ذلك إليهم . وأمّا فضل الآباء ومناقبهم ، وضعة الأعداء / ومثالبهم ، فإنّ ذلك ممّا ينبغي أن يعرفه الأبناء والذّرّيّة والأولياء ، ويبكت به المخالفون والأعداء ، وينشر في الأنام ويبقى على الأيّام ، وإن كان فضل أهل الفضل وضعة أهل الضّعة معروفين غير مجهولين وظاهرين غير مستورين ، فقد ألقوا كثيرا من الشّبهات واحتالوا بصنوف من الاحتيالات ، وهم في ذلك كما قال اللّه عزّ وجلّ : « يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ « 1 » » . 58 - ( قال ) وسمعته صلوات اللّه عليه يقول : واللّه إنّا لنحبّ من الخير للناس كافّة ما عسى أنّهم لا يحبّونه لأنفسهم ، إنّا واللّه ما نريد لهم إلّا سعادتهم ورضاء ربّهم عنهم فإنّ الهوى / ليميل بهم إلى خلاف ذلك ، وإنّا لندعوهم إلى اللّه وإن صدّوا عن السبيل ، ونقوّمهم وإن آثروا الميل ، ولو أطاعونا لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ولبلغوا رضاء ربّهم . واللّه ما رغب عنّا من رغب بنفسه إلّا استنكافا عن أن نهديه ، كأن لم يسمعوا قول اللّه عزّ وجلّ لمحمد صلّى اللّه عليه وآله : « إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ « 2 » » . فنحن واللّه هداتهم ، في كلّ عصر منّا هاد لمن كان في عصره منهم ، واللّه / نحن / أعلام الحقّ ونحن هداة الخلق « فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ « 3 » » . إنّما أراد القوم أن يكونوا أئمّة أنفسهم وألّا تكون لهم واسطة فيما بينهم / وبين ربّهم . قال اللّه أصدق القائلين : « فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ؟ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ، بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً « 4 » » .

--> ( 1 ) الصف ، 8 . ( 2 ) الرعد ، 7 . ( 3 ) الكهف ، 29 . ( 4 ) المدثر ، 49 - 52 .