محمود طرشونة ( اعداد )
67
مائة ليلة وليلة
فهذا نوع من التوازن المنعدم في الواقع تحاول الحكاية أن توجده في عالمها . وهو توازن بين الخير والشرّ . وكلّ جريمة لا بدّ لها من عقاب عاجل داخل الحكاية . فظافر بن لاحق مثلا الذي كادت له زوجة أبيه لإبعاده عن حقّه الشرعي في خلافة أبيه فتمكّنت من إسنادها إلى ابنها ، قد عاد إلى بلاده بعد أن أثبت كفاءته وظفر بمملكته فوجد المرأة قد ماتت . ولا بدّ أن تموت قبل نهاية الحكاية وإلّا اختلّ التوازن وأفلت المجرم من العقاب . والجزاء كذلك لا يؤجل إلى الآخرة . فهو دنيوي ، عاجل . ففي حديث « الوزير وابنه » ينقذ ابن الوزير شيخا من الهلاك في بئر في جزيرة مهجورة . عندما يعود الشيخ إلى مدينته يقول للفتى : « يا بني ، أنت صبرت وقد أعطاك الله جزاء صبرك » . ثم يطلعه على كنوز ثمينة مخفية في بعض الجزر . والجمهور هو الذي يطالب بعقاب الأشرار ومجازاة الأخيار . وإذا حاد الراوي عن هذا القانون فحكايته تعتبر رديئة . فلا بدّ أن يخاطب الراوي جمهوره عن طريق نظام القيم التي يؤمن بها ليكون أهلا لسخائه وإعجابه . والجمهور أيضا هو الذي يفرض على الراوي الموضوع والنهاية السعيدة وكذلك اللهجة . فالمبالغة التي تتميّز بها حكايات « مائة ليلة وليلة » تطيب كثيرا للسامعين الذين يحبّون تضخيم الأحداث والأرقام خاصة . وبهذا يفسّر اختلاف النسخ . فالدرهم في نسخة يصبح دينارا في أخرى ، والمائة تنقلب ألفا ، وعدد اللصوص يتحوّل من 39 في بعض النسخ إلى 99 في أخرى ، والملك يخرج باحثا عن رمكته في أربعين فارسا من أبناء أعمامه أو في أربعين ألف فارس دون أن يكون فرق يذكر بين الرقمين « 144 » . وقد يصيح أحد الأبطال صيحة عظيمة « تستجيب لها الجبال والوديان » وقد يغمى على أحد الأشخاص لأتفه الأسباب ثم يستفيق وكأنّ
--> ( 144 ) انظر الإشارة إلى هذه الاختلافات في مواضعها من تحقيق النّص .