محمود طرشونة ( اعداد )
392
مائة ليلة وليلة
« أفضل النغم ما سمع من الصور الحسنة لأنّه يحرّك الشهوة والطرب فتتظافر القوتان ويفعلان فعل الأدوية المركّبة ، فإنّها أنجح من الأدوية المفردة وأشد فعلا . » قيل : ثم إن ذلك الطائر أسرع الذهاب [ 501 ] ولم يعد يومه ذلك فظهر على ابنة الملك القلق لغيبته . ولما كان الغد عاود الطائر الدالية في مثل وقته بالأمس فسرت ابنة الملك بعودته واستبشرت وارتاحت وأكلت وشربت . وانصرف الطائر في يومه كما انصرف في أمسه فعاودها القلق لغيبته . . . وبلغ الملك خبرها في ذلك فأمر باصطياد ذلك الطائر فاصطيد وجعل في قفص وأتحف ابنته به فاشتد سرورها واغتذت وتداوت . ورأى الطبيب انتعاش قواها فعالجها وطمع في سلامتها ولم يعلم بأمرها مع الطائر . وإنّ ذلك الطائر لبث عندها أياما لا يصوت ولا يطعم شيئا وأخذ حسنه في التغيّر فعادت الجارية إلى أسوأ حالها وجعلت تذوب لما نالها من الاهتمام بأمر [ 502 ] الطائر مضافا إلى مرضها . وعلم بذلك أبوها فندم على اصطياد الطائر . وكان يقال : « لا تكن تلميذا لمن يبادر إلى الأجوبة عن المسائل عند السائل قبل أن يتدبّرها ويتفكر فيما يتفرع عنها ويعدّ لدفع ما يمكن أن يعترض به على جوابه ويهزمه خصمه من المناقضة لأصوله كما أنّك لا تستشير الغرّ الذي لا يتجاوز مبادئ الآراء إلى عواقبها ولكن تتلمذ لمن يتفكر في الأواخر قبل أن يجيب عن الأوائل كما تشاور المحنّك المتدبر لبطون الأمور وظهورها المطلع على مبادئها وعواقبها » . قيل : « فلما علم الطبيب ما انتقلت إليه حال الجارية من الفساد علم أن ذلك العارض طرأ عليها فبحث عنه فأطلع على قصتها [ 504 ] مع الطائر فأشار بأن ينصبوا محيطة بالبستان علوا وسفلا فصنع ذلك على ما أشار به ثم أطلق الطائر في البستان فلما رجع الطائر إلى ما اعتاده وألفه راجعته صحته وحسنه وعاوده تغريده فصلحت بذلك حال الجارية وشفيت من مرضها .