الأمير أسامة بن منقذ
70
لباب الآداب
واعلم أن سبب هلاك الملوك والممالك اطراح ذوي الفضائل ، واصطناع ذوي الوسائل ، والاستخفاف بعظة الناصح ، والاغترار بتزكية المادح . واعلم أنّ عمّال الولاة بمنزلة سلاحهم في القتال ، وسهامهم في النّضال . ومن ولي الملك بلا كفاة ، كمن لقي الحرب بلا حماة . وممّا يديم لك نصحهم ووفاءهم ، ويحفظ عليك ودّهم وولاءهم - : قلة الطّمع فيهم ، وحسن المقابلة لمساعيهم . واعلم أنك إن طمعت منهم في ذرّة ، طمعوا منك في بدرة ، وإن ارتجعت من رفقهم « 1 » دينارا ، اقتطعوا من ملكك قنطارا ، ثم أساءوا القول فيك ، وأنكروا بيض صنائعك وأياديك . وإذا اصطنعت فاصطنع من ينزع إلى أصل وأبوّة ، ويرجع إلى عقل ومروّة ، فإن الأصل والأبوّة تمنعانه من الغدر والخيانة ، والعقل والمروّة يبعثانه على الوفاء والأمانة ، فان كلّ فرع يرجع إلى أصله ، وكلّ شيء يعود إلى طبعه . وقالت الحكماء : الملك كالبحر الأعظم : تستمدّ منه الأنهار الصغار ، فإن كان عذبا عذبت ، وإن كان ملحا ملحت . وقالوا : مهما كان في الملك فإنه لا ينبغي أن يكون فيه خمس خصال : لا ينبغي أن يكون كذّابا ، فإنه إذا كان كذّابا فوعد خيرا لم يرج ، أو توعّد بشرّ لم يخف . ولا ينبغي أن يكون بخيلا ، فإنه إذا كان بخيلا لم يناصحه أحد ، ولا تصلح الولاية إلّا بالمناصحة . ولا ينبغي أن يكون حديدا ، فإنه إن كان حديدا - مع المقدرة « 2 » - هلكت الرعيّة . ولا ينبغي أن يكون حسودا ، فإنه
--> ( 1 ) الرفق - بكسر الراء وإسكان الفاء - هو : ما ارتفقت وانتفعت به . كالمرفق : بكسر الميم مع فتح الفاء ، أو بفتح الميم مع كسر الفاء ، أو مع فتحها ، لغات ثلاث . ( 2 ) يجوز في الدال الحركات الثلاث ، ومعناها القدرة ، كما في اللسان والقاموس .