المحقق البحراني
76
الكشكول
أعمالها للّه تعالى ، فلا نقطع نصيبها من ميراثها الذي فرضه اللّه لها وليكن نصيبها في يدك ولا تتصرف فيه فإذا طلبت منك شيئا تدفع إليها ما تطلبه ، فإذا وصل إليها حقها فأنت آمن من حسابها ، فقال له ولده السمع والطاعة في كل ما أوصيتني . ثم مات التاجر إلى رحمة اللّه فقضى ابنه عزاء أربعين يوما على ما جرت به العادة ، فلما كان بعد ذلك أشاروا عليه التجار أن يقعد مكان أبيه فجلس يبيع ويشتري وأخته الزاهدة مقبلة على العبادة لربها تصوم نهارها وتقوم الليل ، فدخل عليها أخوها يوما وهي تنشد أبياتا . ألا يا أيها المغرور مهلا * لقد أوقفت في حفر العناء علام تدوم في أمل وحرص * وأنت تعوم في بحر الخطاء وتمشي في عزي وغوى وتمشي * بملء البطن في وشي الملاء أما آن الرجوع إلى رشاد * ترى ببقائه خير البقاء أفق من رقده الغفلات وانهض * وناج لمن يجيبك في الدعاء فتقدم إليها أخوها وحياها تحية لطيفة وجلس عندها ساعة ثم مضى إلى دكانه فبينما هو ذات يوم جالس في الدكان إذا بعجوز قد أقبلت وهي تشق السوق وبيدها سبحة وبيدها الأخرى عصا تتوكأ عليها ، ولم تزل تمشي حتى وصلت إليه ثم نظرت إليه طويلا وقالت : ألست ابن فلان التاجر ؟ قال : بلى ، فجلست عنده واستعرضت ما عنده من القماش وهي تقلبه وصلة وصلة وتطيل إليه النظر ، ثم قالت : أنت متزوج أم أعزب ؟ قال : بل أعزب . فقالت : كيف تقضي عمرك وتنام وحدك مع ما عندك من المال الجزيل فلا خير في المال بلا زوجة تسر قلبك فقال : قد آليت على نفسي ألا أتزوج إلا بمن أراها وأنظر إليها بعيني فقالت : ما تقول ان فعلت لك ذلك ؟ قال : إن أعجبتني أتزوج بها وإلا فلا . فقالت له : قم حتى أريك فخير البر عاجله ، فأوصى غلمانه بالدكان وذهب خلف العجوز حتى أتت إلى باب ودخلت فيه وهو خلفها حتى انتهت إلى مكان مظلم فقالت له : اعلم أن الظن إذا لم يصب يورث التهمة وإذا حصلت فضحت ، فدعني أشد عينيك بهذا المنديل حتى لا ينكر أحد علينا ، فإذا رأوك ظنوا أني قد أتيت بك لأداوي عينيك فإني معودة أداوي أعين الناس لوجه اللّه تعالى ، فشدت على عينيه وجعلت تقوده كالأعمى حتى أتت به إلى باب كبير بمصراعين من خشب الآبنوس فطرقت الباب فخرج خادم وفتح الباب فدخلت العجوز قدام الشاب من دهليز حتى أدخلته إلى قصر فيه بستان وفي ذلك البستان بركة لطيفة وإلى جانب البركة سرير من العرعر