المحقق البحراني
62
الكشكول
فوضعني من ظهره بلطف وأومأ إليّ بخرطومه أن سر من هاهنا . ثم رجع عني وبقيت وحدي في تلك البرية ومعي تلك الأحجار ، فسرت إلى الجهة التي أومأ إليها ثلاثة أيام ، فلما كان صبيحة اليوم الرابع وإذا أنا بملك من ملوك السند في موكبه وعسكره وهو يتنزه في تلك الجزيرة ، فلما رآني أصحابه تبادروا إلي وأخذوني وأحضروني بين يدي ملكهم ، فسألني عن حالي وما عرفت كلامهم ولا فهمته وأنا أحدثهم وهم لا يعرفون كلامي ورأيت لغتهم كلغة الخطاطيف ، فأخذوني وداروا بي إلى البلدان إلى أن وجدوا شخصا يفهم . اللسان العربي ولسانهم ، فسأل عن حالي فأخبرته فقلت : أنا رجل من أهل مصر فقال أما مصر فلا نعرفها فمن أنت من غيرها ؟ فقلت : هل تعرف الشام ؟ قال سمعت بها قلت أنا ممن سكنها فشرعوا يتبركون بي ويمسحون أيديهم على يدي ويعظمونني وأتي بي إلى الملك في منزله وأكرمني ، وسأل عن سفري فحدثته بما جرى علي فأخبرته بقصة الفيل وما عمل معي وكيف أعطاني تلك الأحجار ، فصدقني وتعجب من قصتي . ثم إني قدمت له تلك الأحجار ليأخذها فأبى أن يقبلها وقال : ان الغريب إذا دخل علينا يجب علينا اكرامه ولا يجوز لنا أن نأخذ منه شيئا وإنما هذا رزق ساقه اللّه إليك ، فأقسمت عليه بمعبوده أن يقبله مني فامتنع فقلت : أنا رجل مجرد عرقان فكل من وجد هذه الأحجار عندي أخذها مني وقتلني ولكن أنت ملك تصلح هذه لك فخذها وأعطني عوضها من المال ما شئت فقال : هي علي حرام ولا آخذ منها مثقالا ونحن ما نستحل مال غيرنا من رعيتنا فكيف الغريب ، ولكن اجلس عندي في ضيافتي فجلست عنده مدة من الزمان وهو يعزني ويكرمني ويقدم لي الأطعمة والأشربة فلما كان بعد شهر ضاق صدري وحن خاطري إلى بلدي فسألته أن يوصلني إلى بلد مصر ، فقال : نحن لا نعرفها فقلت : نسير من هنا إلى الهند ومن الهند نتوصل إلى نجد ومن نجد نتوصل إلى مصر فقال : نحن لا نعرفها ولكن أرسل معك من عسكري من يوصلك إلى بلدك بعد أن أعطاني مركبا عظيما مملوءا من القماش مشحونا بالأموال ، فودعته وانصرفت عنه وقال لأصحابه : لا ترجعوا عنه إلا إذا وصل إلى بلده وتأتوني بخطه ، فسرنا في المركب حتى وصلنا مصر ثم أكرمت تلك الرجال غاية الاكرام وأرسلت إلى الملك من تحف مصر أشياء مثمنة ، ثم ودعوني ورجعوا عائدين إلى ملكهم ، وجلست في مصر أياما ثم قصدت الشام . وهذا صورة ما جرى لي والحمد للّه حق حمده .