المحقق البحراني
60
الكشكول
يسافر البحر وكان قد بلغ من العمر مائة وعشرين سنة ، قال : سافرت أدور الدنيا فرأيت أعجوبة وهي انه ركبت البحر إلى الهند وكنا جماعة في مركبين ، فدخلنا إلى جزيرة من جزائر الهند فطلعنا إليها ندور فيها إذا تراءى لنا قبة عظيمة بيضاء ، فقصدناها إلى أن أتينا إليها فلم نجد لها بابا فتعجبنا منها فأتى إلينا الرائس فقال : هذه بيضة الرخ فلا تفسدوها وكنا قد هلكنا من الجوع فأخذنا الفئوس والمعاول وضربنا بها جانب القبة فسال لنا منها شبه البيض فأخذنا منه وشويناه فأكلنا ما كفانا جميعا وفضل منه شيء كثير ، فلما أكلنا وجدنا له من الجوع لذة عجيبة ، وكان المركبان اللذان كنا فيهما من كبار مراكب الهند في كل مركب ما يزيد على خمسمائة رجل ، وقال الرائس : الذي قد منعنا من الأكل يا تجار هذه بيضة الرخ وقد أفسدتموها فلا نأمن أن يأتي وينظر بيضته على هذه الحالة فيهلكنا عن آخرنا وقد طاب الريح فقوموا بنا نركب المراكب ونسير ما دام الريح طيبا ، وركبنا المراكب وفتحنا القلوع ونشرنا الشراع وطاب الريح وسرنا مقدار فرسخين ، فلم نشعر إلا وغمامة سوداء قد ظهرت علينا فقال الرائس : تنظرون هذه الغمامة ؟ قلنا : نعم . قال : هذا الرخ قد جاء إليكم ليهلككم فاستعدوا للبلاء . فلما سمعنا من الرائس ذلك الكلام أيقنا بالهلاك وتودعنا بعضنا من بعض ولم نشك في هلاكنا لعظم ما وقع في قلوبنا من الهيبة ، إلى أن وصل وهم أن يخطف المركب بمخاليبه فمن شدة الهوى الذي ضرب المركب من أجنحته سبقه المركب ولم يتمكن منه فرد راجعا فسار المركب كالريح الهبوب فاستبشرنا لرجوعه عنا فلم نشعر بعد قليل إلا وقد لحقنا مرة أخرى وفي مخاليبه صخرة قدر المركب فجاء بها إلى أن وقف فوق المركب من مخاليبه على رؤوسنا ، فقدر اللّه سبحانه أن الريح كانت عاصفة تسوق المركب سوقا يشبه السهم فوقعت الصخرة في البحر إلى جانب المركب فكدنا نغرق من رشاش الماء الذي من الصخرة ، فبقي المركب يرتفع وينحط حتى قلنا إن البحر كان فوقنا وكان وقت العصر ، فرجع عنا وحالت بيننا وبينه الظلمة وغرق الليل فلم نره بعد وسافرنا في المركب أياما ثم ثارت علينا ريح شديدة عظيمة فافترقنا ، أما نحن فسلمنا ودخلنا الشام . وأما المركب الآخر فلم نعلم ما جرى عليه غير أنا لما دخلنا الشام فبينما أنا عند باب البريد إذا نظرت شخصا ممن كان في المركب الآخر فسلمت عليه وسألته عن حاله وحال رفقته فقال : اعلم يا أخي أنا لما افترقنا هاجت علينا ريح عاصفة كسرت المركب وغشينا الغرق ، فسلم منا رجال وكنت أنا مع الذين سلموا فطلعنا