المحقق البحراني
233
الكشكول
قال شيخنا المجلسي ( ره ) : في البحار بعد نقل هذا الكلام : ما ذكره الصدوق وجيه متين في الخبر الذي رواه في الخصال ، وأما سائر الأخبار المروية من طرق الخاصة والعامة المشتملة على المتممات فهذا الوجه لا يجري فيها إلا بتكليف كثير ، والظاهر أن المراد بالطيرة فيها انفعال النفس مما تتشاءم به أو تأثيرها واقعا وحصول مقتضاها ، والأول في المعصومين عليهم السّلام أظهر بأن يخطر ببالهم الشريف ثم يدفع أثرها بالتوكل وهذا لا ينافي العصمة ، وأما الحسد فظاهره أن الحسد المذكور في الخاطر إذا لم يظهره لم يكن معصية ، ولا استبعاد فيه فإنه أكثر الخلق ليس باختياري ، ويمكن أن يراد به ما يعم الغبطة وتكون هذه هي الحاصلة فيهم - انتهى كلامه زيد اكرامه . ( أقول ) وما يؤيد على بعد تأويل شيخنا الصدوق عطر اللّه مرقده في الحديث الذي ذكره في الخصال إنه لا مجال لحمل هذا المعنى الذي تحمل عليه من أن يكون مما يمكن حصوله للجميع لا بأن يحمل في حق المعصومين على معنى وفي حق غيرهم على آخر ، وأما المعنى الأول الذي ذكره شيخنا المجلسي قدس سره فالظاهر بعده فإنه لا ريب أن الحسد من الصفات القلبية الذميمة وهي عبارة عن تمنيه ذهاب النعمة المحسود بها عن صاحبها وخاره منها ، ولا مدخل لظهور الأثر في ذلك ويفصح عنه كلام العلماء الأعلام من أهل اللغة وغيرهم وقوله : « ولا استبعاد فيه » إلى آخره ممنوع ، ودعوى أنه في أكثر الخلق ليس باختياري أظهر منعا . نعم ما ذكره من أن المعنى الثاني وهو الحمل على الغبطة التي هي عبارة عن تمني الإنسان تلك النعمة التي عليها المغبوط من غير أن يتمنى زوالها عنه هو الظاهر عندي ، وعليه تحمل تلك الأخبار الدالة على أن الحسد لا يخلو منه أحد نبي فمن دونه ، وذلك لمقتضى الجبلة البشرية والطبيعة الآدمية أن الإنسان متى رأى غيره في نعمة ومنزلة علية ولا سيما النعم الأخروية والمنازل العلية تاقت نفسه متى كان قاصرا عنها ومنحط الرتبة دونها أن يرزق ذلك وهو الذي يكون في أكثر الخلق بل في كل الخلق ليس باختياري لا المعنى الأول . ويدل على ما ذكرناه بأوضح دلالة ما رواه شيخنا الصدوق قدس اللّه سره في كتاب عيون أخبار الرضا وغيره في حديث ذكر فيه ابتلاء آدم بالأكل من الشجرة قال فيه : إن اللّه سبحانه وتعالى قال له بعد أن نظر إلى ساق العرش عليه مكتوب « لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه علي بن أبي طالب وزوجته فاطمة سيدة نساء العالمين ، فقال آدم : يا رب من هؤلاء ؟ قال عز وجل : هؤلاء ذريتك وهم خير