المحقق البحراني

218

الكشكول

وأغضي من معاتبتك فإني أربأ بنفسي عن مخاطبتك ، فإن حمى غري المنبع المحترم ومن لا يكرم نفسه لا يكرم . ثم إنك مع ذا أردت جلاء العين فزدت قذى وأحللت معاني الهدى في مغاني الهدى وتكلمت في خطرتي بطريف الآثار كلام من يظن أنه فيها ذو استيثار وأنت تعلم إني فارس نقعها المثار ، واستشهدت ببعض الأشعار فأشهدت أن لمعانيها في ذهنك أشعار وكل عالم باني لا أركب في ميدانها الفرس المعار ولا أقنع في بيانها بالدثار دون الشعار ، وإن كنت تستطيع معي صبرا فسأنبئك بما لم تحط به خبرا ، حسبي وإياك صيتا عند الخلق وذكرا أن اللّه تعالى سماني خيرا وسماك شرا : إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً . إِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً وعدني من نعمه التي ذكر بها عباده كثيرا : وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً بل يشمل سيد البشر هذا المعنى : وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى وإن من دلائل فخري وسعدي ، وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي وجعلك من المحن التي تسكب عندها العبرات وتكثر في حزونها الغبرات ، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وإن شئت حفظتك طبقة أخرى ورويت لك « كاد الفقر أن يكون كفرا » وما جرى هذه المجنون وأنت الحامل على عصيان الخالق بما نزل بالخلائق من الشدائد والمضايق ، وأنا الذي أيسر لهم سني البضاعات المتوقف عليها كثير من الطاعات ، ولولا جودي ووجود جودي لم يظفروا بثواب الزكوات والصدقات وصلة الأرحام بالنفقات ، ومن أعظم هذا المرام حج بيت اللّه الحرام ، وهل يستوي الأيسار والإفلاس ؟ واللّه لم يدع إلى بيته سوى المياسير من الناس ، وتعلم كثرة دعاء الأنبياء والمتقدمين بهم من الأولياء . بالاستعاذة من جوارك والاستغاثة من عثارك والتضرع إلى اللّه في محو آثارك . وأما الشعراء فقد هاموا يهجونك في واد وقاموا بذمك على رؤوس الاشهاد وأمروا للهرب منك بالتغرب في البلاد ومقاسات الأين في السهاد ، حتى رأيت المقام على الاقتصاد قنوعا به ذلة في العباد ، وكفاك بيت سار سير الأمثال في الورى : فسر في بلاد اللّه والتمس الغنى * تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا وقال : من أنف منهم من قدرك الحقير : دعيني للغنى أسعى فإني * رأيت الناس شرهم الفقير