المحقق البحراني

179

الكشكول

رسولا قاصدا ليخبرنا عن أمره ، فجاءنا يعرفنا أن امرأته ذكرت أن عرض له هذه الليلة حكاك شديد في قفاه فمنعه من الطواف والتذكير ، فقلت لأبي علي المستأمن : أيها الأمير هذه آية يجب أن تشاهدها ، فركبنا وقد بقيت من الليل بقية يسيرة وجئنا إلى دار الضرير فوجدناه نائما على وجهه يخور ، فسألنا زوجته عن حاله فقالت : انتبه وحك هذا الموضع وأشارت إلى قفاه وكان قد ظهر منه مثل العدسة وقد اتسعت الآن وانتفخت وتشققت وهو الآن على ما تشاهدونه يخور ولا يعقل فانصرفنا وتركناه ، فلما أصبحنا هلك فركب أهل صور على تشييع جنازته وتعظيمه . قال أبو الفرج الأصبهاني : واتفق اني لما وصلت إلى باب عضد الدولة بالموصل سنة ثمان وستين وثلاثمائة لزمت دار خازنه أبي نصر خورشيد بن يزديار وكان يجمع فيها كل يوم خلق كثير من طبقات الناس ، فحدثت بهذه الحكاية جماعة في دار أبي نصر منهم القاضي أبو علي التنوخي وأبو القاسم الحسين بن محمد الحيائي وأبو إسحاق الفهمسي وأبو طرخان وغيرهم فكلهم ردوا علي واستبعدوا ما حكيته على أشنع وجه غير القاضي التنوخي فإنه جوزه وشيده وحكى ما يضاهيه ، ثم مضت على هذا مدة يسيرة فحضرت دار أبي نصر هذا على العادة فاتفق حضور أكثر الجماعة . فلما استقر بي المجلس سلم علي فتى شاب لا أعرفه فاستنسبته فقال : أنا ابن أبي القاسم بن الريان قاضي صور ، فبدأت فأقسمت عليه باللّه يمينا وكررته مؤكدة مغلظة محرجة إلا صدق فيما اسأله عنه ، فقال : نعم هو ذاك ، فبدأ وحدثهم مثلما حدثتهم فعجبوا من ذلك واستطرفوه . قصة الهادي العباسي وجاريته غادر حكي : أن الهادي العباسي كان مغرم بجارية له تسمى غادر ، وكانت من أحسن النساء وجها وأكثرهن أدبا وألطفهن طبعا وأطيبهن غناء ، فبينما هي تنادمه ذات ليلة وتغنيه إذ تغير لونه وأثر الحزن عليه فقالت : ما بال أمير المؤمنين لا أراه اللّه ما يكره ؟ فقال : قد وقع في فكري الساعة اني أموت وأن أخي هارون يلي الخلافة بعدي وانك تكونين معه كما أنت معي الآن ، فقالت : لا أبقاني اللّه بعدك وأخذت تلاطفه وتزيل هذا الخيال من خاطره ، فقال : لا بد أن تحلفي لي ايمانا مغلظة أن لا تخلي بعدي ، فحلفت على ذلك وأخذ العهود والمواثيق ثم خرج وأرسل إلى أخيه هارون وحلفه أن لا يخلو بغادر بعده وأخذ عليه من العهود والمواثيق ما أخذ عليها ، فلم يمض إلا شهر حتى مات الهادي وانتقلت الخلافة