المحقق البحراني

37

الكشكول

بيده على صدره ، وقال : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا . فقد ظهر أنه أعلم . وأما الزهد فإنه سيد الزهاد وبدل الأبدال وإليه تشد الرحال وتنقص الأحلاس ، وما شبع من طعام قط ، وكان أخشن الناس لبسا ومأكلا . قال عبد اللّه ابن أبي رافع : دخلت على علي عليه السّلام يوم عيد فقدم جرابا مختوما فوجد فيه خبزا شعيرا يابسا مرضوضا فتقدم فأكل ، فقلت : يا أمير المؤمنين فكيف تختمه وإنما هو خبز شعير ؟ فقال : خفت هذين الولدين يلتانه بزيت أو سمن . وكان ثوبه مرقوعا بجلد تارة وبليف أخرى ونعلاه من ليف ، وكان يلبس الكرباس الغليظ فإن وجد كمه طويلا قطعه بشفرة ولم يخيطه ، وكان لا يزال ساقطا على ذراعيه حتى يبقى سدى بلا لحمة ، وكان يأتدم إذا ائتدم بالخل والملح فإن ترقى عن ذلك فبعض نبات الأرض فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الإبل ، ولا يأكل اللحم إلا قليلا ويقول : لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوانات ، وكان مع ذلك أشد الناس قوة وأعظمهم يدا . وأما العبادة فمنه تعلم الناس صلاة الليل وملازمة الأوراد وقيام النافلة ، وما ظنك برجل كانت جبهته كثفنة البعير ، ومن محافظته على ورده أن بسط له نطع بين الصفين ليلة الهرير فيصلي عليه والسهام تقع عليه ويمر على صماخيه يمينا وشمالا فلا يرتاع لذلك ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته . فأنت إذا تأملت دعواته ومناجاته ووقفت على ما فيها من تعظيم اللّه سبحانه وتعالى وإجلاله وما تضمنته من الخضوع لهيبته والخشوع لعزته عرفت ما ينطوي عليه من الإخلاص ، وكان زين العابدين عليه السّلام يصلي في كل ليلة ألف ركعة ويقول : أنى لي بعبادة علي عليه السّلام . وأما الشجاعة فهو ابن جلاها وطلاع ثناياها ، نسي الناس فيها ذكر من قبله ومحا اسم من يأتي بعده ، ومقاماته في الحروب مشهورة تضرب بها الأمثال إلى يوم القيامة ، وهو الشجاع الذي ما فر قط ولا ارتاع من كتيبة ولا بارز أحدا إلا قتله ولا ضرب ضربة قط فاحتاجت إلى ثانية . وجاء في الحديث إذا ضرب واعتلى قد وإذا ضرب واعترض قط . وفي الحديث : كانت ضرباته وترا وكان المشركون إذا أبصروه في الحرب عهد بعضهم إلى بعض وبسيفه شيدت مباني الدين وثبتت دعائمه وتعجبت الملائكة من شدة ضرباته وحملاته . وفي غزوة بدر الداهية العظمى على المسلمين قتل فيها صناديد قريش كالوليد بن عتبة والعاص بن سعيد ونوفل بن خويلد الذي قرن أبا بكر وطلحة قبل الهجرة وعذبهما ، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الحمد للّه الذي أجاب دعوتي فيه » ولم يزل في ذلك يصرع صنديدا بعد صنديد