المحقق البحراني
297
الكشكول
الأصلية والاستصحاب على وجه يرفع تمسك الخصم به في هذا الباب فليراجع ذلك من أحب الوقوف عليه وقد أوضحنا ذلك أيضا في كتاب المسائل الشيرازية بما لا مزيد عليه . ومن الفروق التي ذكروها أن الأشياء عند الإخباريين إما حلال بين أو حرام بين أو شبهة وعند المجتهدين ليس إلا الأولان خاصة ، ومنشأ ذلك العمل بالبراءة الأصلية وعدمه . وفي هذا الوجه أيضا أن الشيخ في العدة وقبله الشيخ المفيد قائل بالتثليث كما هو المنسوب إلى الإخباريين مع أنهما من أساطين المجتهدين ، وكلام الصدوق في كتاب الاعتقادات ظاهر في التثنية حيث قال : ( باب الاعتقاد ) في الحضر والإباحة . قال الشيخ رضي اللّه عنه : اعتقادنا في ذلك أن الأشياء كلها مطلقة حتى يرد في شيء منها نهي انتهى . وهو مضمون الخبر المروي عنهم عليهم السّلام من قولهم : « كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي » فالأشياء عنده إما حلال أو حرام كما عليه المجتهدون مع أن الصدوق رئيس الإخباريين ، إلى غير ذلك من المواضع التي يطول بنقلها الكلام . وأما ثالثا : فلأن العصر الأول كان مملوءا من المحدثين والأصوليين مع أنه لم يرتفع صيت هذا الخلاف ولم يطعن أحد منهم على الآخر بالاتصاف بهذه الأوصاف ، وإن ناقش بعضهم بعضا في جزئيات المسائل واختلفوا في تطبيق تلك الدلائل فالأولى والأليق بذوي الإيمان والأخرى والأنسب في هذا الشأن أن يقال : إن عمل الفرقة المحقة ( أيدهم اللّه بالنصر والتمكين ) إنما هو على مذهب أئمتهم فإن جلالة شأنهم وسطوع برهانهم وورعهم وتقواهم المشهور بل المتواتر على ممر الدهور يمنعهم عن الخروج من تلك الجادة القويمة والصراط المستقيم ، ولكن ربما حاد بعضهم عن الطريق غفلة أو توهما أو لقصور اطلاع أو قصور فهمهم أو نحو ذلك في بعض المسائل . أو في بعض تلك الدلائل فهو لا يوجب تشنيعا ولا قدحا ، وكل من تلك المسائل التي جعلوها مناط الفرق من هذا القبيل كما لا يخفى على من خاض بحار التحصيل . وإنا نرى كلا من المجتهدين والإخباريين يختلفون في آحاد المسائل بل ربما خالف أحدهم نفسه مع أنه لا يوجب تشنيعا ولا قدحا ، وقد ذهب رئيس الإخباريين الصدوق ( ره ) إلى مذاهب غريبة لم يوافقه عليها مجتهد ولا إخباري ، مع أنه لم يقدح ذلك في علمه وفضله ولم يرتفع صيت هذا الخلاف ولا وقوع هذا الاختلاف إلا من صاحب الفوائد المدنية سامحه اللّه تعالى برحمته المرضية .