المحقق البحراني
293
الكشكول
وامتحنت فأخبر عن نفسك باعتقادك على حسب ما توديك الدلالة إلى القول به . فلما وصلوا إلى بغداد وادخلوا على المأمون وجعل يدعوهم بأسمائهم رجلا رجلا فيسأله عن مذهبه فيخبره بالإسلام فيمتحنه ويدعوه إلى البراءة من ماني ويظهر له صورته ويأمره بالتفل عليها والبراءة منها فيأبون فيمر بهم على السيف ، حتى فرغ من العشرة وبلغوا إلى الطفيلي وقد استوعبوا عدد القوم فقال المأمون للموكلين : من هذا ؟ قالوا : واللّه ما ندري غير أنا وجدناه مع القوم فجئنا به . فقال المأمون : ما خبرك ؟ قال : يا أمير المؤمنين امرأته طالق إن كان يعرف من أقوالهم شيئا وإنما أنا رجل طفيلي ، وقص عليه القصة من أولها إلى آخرها فضحك المأمون ثم أظهرت له الصورة فلعنها وتبرأ منها وقال : اعطنيها حتى أسلح عليها واللّه ما أدري ما ماني يهوديا كان أو نصرانيا أو مسلما ، فقال المأمون يؤدب على فرط تطفيله ومخاطرته بنفسه . وكان إبراهيم بن المهدي قائما بين يدي المأمون فقال : يا أمير المؤمنين هب لي ذنبه وأحدثك بحديث عجيب في التطفيل قال : قل يا إبراهيم قال : يا أمير المؤمنين خرجت يوما فمررت في سكك بغداد متطرقا حتى انتهيت إلى موضع سماه فشممت رائحة أبا زير من جناح في دار عالية وقدور قد فاح قتارها فتاقت نفسي إليها فوقفت على خياط فقلت : لمن هذه الدار ؟ فقال : لرجل من التجار البزازين قلت : فما اسمه ؟ قال : فلان بن فلان ، فرفعت طرفي إلى الجناح فإذا فيه شباك فنظرت إلى كف قد خرجت من الشباك ومعصم ما رأيت مثله قط فشغلني يا أمير المؤمنين حسن الكف والمعصم عن رائحة القدور فبقيت مهموما قد ذهب عقلي . ثم قلت للخياط : هو ممن يشرب النبيذ ؟ قال : نعم وأحسب أن عنده اليوم دعوة لا ينادم إلا تجارا مثله مستورين ، فإني كذلك إذ أقبل رجلان نبيلان راكبان من رأس الدرب فقال لي الخياط : هذان منادماه . فقلت : ما اسمهما وما كناهما ؟ فقال : فلان وفلان ، فحركت دابتي حتى دخلت بينهما وقلت : جعلت فداكما قد استبطأكما فلان أعزه اللّه ، وسايرتهما حتى انتهينا إلى الباب فقدماني فدخلت ودخلا ، فلما رآني صاحب المنزل لم يشك إلا أني منهما بسبيل ، فرحب بي وأجلسني في أجل موضع فجيء يا أمير المؤمنين بالمائدة وعليها خبز نظيف وآتينا بتلك الألوان فكان طعمها أطيب من رائحتها ، فقلت في نفسي هذه الألوان قد أكلتها وبقي الكف والمعصم ، ثم رفع الطعام فغسلنا أيدينا ثم سرنا إلى مجلس