المحقق البحراني
280
الكشكول
قريب من مدينة صنعاء ، وجعلت بين كل أسطوانتين عشرة أذرع ثم جعلت عليها سقفا مبسوطا بأنواع الرخام وألحمت بعضها بعضا بالرصاص حتى صارت لوحا واحدا ، ثم بنت فوق ذلك قصرا مربعا من آجر وجص في كل زاوية من زواياه قبة من ذهب وفضة مشرقة في الهوى فيما بين ذلك مجالس حيطانها من ذهب وفضة مرصعة بأنواع الجواهر وجعلت فيها شرفا مطليا بماء الذهب مفضضة بأنواع الجواهر ، وكان إذا طلعت الشمس عليه التهب الذهب والجواهر كالتهاب النيران تكاد تغشى الأعين ، وجعلت باب ذلك القصر مما يلي المدينة بدرج من الرخام الأبيض والأحمر والأخضر في جانبيها حجرا ملججا بها وبوابها وخدامها وحراسها على قدر مراتبهم ، وعرشها كان مقدمه من ذهب مفصصا بالياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر ومؤخره من فضة مكللة بأنواع الجواهر ، وله أربع قوائم قائمة من ياقوت أحمر وأخرى من ياقوت أحمر والثالثة من زمرد أخضر والرابعة من در ، وصفائح السرير من ذهب وعليه سبعة أبيات وكل بيت مغلق ، وكان عرضه ثمانين ذراعا وطوله في الهواء ثمانون ذراعا ، فذلك قوله تعالى : ( وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ ) . قصة أحمد اليتيم مع الجارية كتاب المستطرف في كل فن مستظرف : ذكر عبد الكريم وكان مطلعا على أحوال أحمد بن طولون عارفا بأموره عالما بوروده وصدوره فقال : ما معناه : إن أحمد بن طولون وجد عند سقايته طفلا مطروحا فالتقطه ورباه وسماه أحمد وشهره باليتيم ، فلما كبر ونشأ كان أكثر الناس ذكاء وفطنة وأحسنهم زيا وصورة صار يرعاه ويعلمه حتى تهذب وتمرس . فلما حضرت أحمد بن طولون الوفاة أوصى ولده أبا الجيش به بأخذه إليه ، فلما مات أحمد بن طولون أحضره الأمير أبو الجيش إليه وقال : أنت عندي بمنزلة أرعاك بها ولكن عادتي أن آخذ العهد على كل من أصرفه في شيء من حوائجي أنه لا يخونني ، فعاهده ثم حكمه في أمواله وقدمه في أشغاله فصار أحمد اليتيم مستحوذا على المقام حاكما على جميع الحاشية الخاص والعام ، والأمير أبو الجيش ابن طولون يحسن إليه كلما رأى خدمته متصفة بالنصح ومساعيه مستقيمة بالنجح ، فركن إليه واعتمد في أسباب بيوته عليه فقال له يوما : يا أحمد امض إلى الحجرة الفلانية ففي المجلس حيث أجلس سبحة جوهر فجئني بها ، فمضى إلى الحجرة فوجد جارية من مغنيات الأمير وحظاياه مع شاب من الفراشين ممن هو من الأمير بمحل قرب ، فلما رأياه خرج الفتى فجاءت الجارية وعرضت نفسها عليه ودعت