المحقق البحراني
276
الكشكول
وقد أتى أبو العتاهية بأبيات يسيرة ثم قال كذا وكذا وأنشد الأبيات المذكورة فما لكم تغارون . ولما انتهت وفاة أبي العتاهية قال : أشتهي أن يحيا فلان المغني ويغني تحت رأسي بهذين البيتين : إذا ما انفضت مني عن الدهر مدتي * فإن عزاء الباكيات قليل سيعرض عن ذكري وينسى مودتي * ويحدث بعدي للخليل خليل قصة العنقاء في إثبات القضاء والقدر كتاب بدء المخلوقات للغزالي قصة العنقاء في إثبات القدر والقضاء عن جعفر عن أبيه عن محمد قال : عاتب سليمان الطيور يوما في بعض عتابه فقالت الطيور : تاللّه رب السماوات والثرى إنا لنحرص على الهدى ولكن قضاء اللّه وقدره لا ملجأ منه . فقال سليمان : صدقتم لا حيلة في القضاء فقالت العنقاء : لست أومن بهذا فقال لها سليمان : ألا أخبرك بأعجب العجب ؟ قالت : بلى . قال : إنه ولد الليلة غلام في المغرب وجارية في المشرق هذا ابن الملك وهذه ابنة الملك يجتمعان في أشنع موضع وأهوله على سفاح بقدرة اللّه فيهما . قالت العنقاء : هل اختبرت بهما ما اسمهما واسم أبويهما ؟ قال : نعم اسمهما كذا وكذا . فقالت : أنا أفرق بينهما وأبطل القدر وأثبت المشيئة قال سليمان : لا تقدرين على ذلك فقالت : بلى فأشهد سليمان عليها الطيور وكفلها البومة . ومرت العنقاء لذلك وكانت في أكبر جبل ووجهها وجه إنسان وثديها كذلك ويداها وأصابعها كذلك فتعلقت في الهوى حتى أشرفت على الدنيا وأبصرت كل دار حتى أبصرت الجارية في مهدها وحولها حي الأضار ، فاختلست الجارية مع المهد وطارت حتى انتهت إلى جبل شاهق وسط البحر وعليه شجرة عالية في السماء لا ينالها الطيور إلا بجهد لها ألف غصن كل غصن كأعظم شجرة فاتخذت لها وكرا عظيما عجيبا واسعا فارتضعتها واحتضنتها وتأتيها بأنواع الطعام والشراب وتنكها من الحر والبرد وتؤنسها بالليل ولا تخبر أحدا بشأنها وتغدو إلى سليمان وتروح إلى وكرها ، فعلم سليمان بذلك ولم يبدها لها . فبلغ الغلام إلى مبلغ الرجال وكان صار ملكا من الملوك وكان مولعا بالصيد فقال لأصحابه : صيد البر قد نلته فلو ركبت البحر وآتي من صيده فأي بأس ؟ فقال