المحقق البحراني

177

الكشكول

فتيمموا صعيدا طيبا . قلت : إن معي طعاما فهل تأكلين ؟ قالت : وأتموا الصيام إلى الليل . قلت : ليس هذا شهر رمضان . قالت : ومن تطوع خيرا فهو خير له . قلت : قد أبيح لنا الإفطار في السفر . قالت : وإن تصوموا خير لكم . قلت : فهل تتكلمين مثل كلامي ؟ قالت : ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد . فقلت : من أي الناس أنت ؟ قالت : ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا . قلت : قد أخطأت فاجعليني في حل . قالت : لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللّه لكم . قلت : هل لك أن أحملك على ناقتي فتدركي القافلة ؟ قالت : وما تفعلوا من خير يعلمه اللّه فأنخت ناقتي فقالت : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم . فغضضت بصري عنها فلما أرادت أن تركب نفرت الناقة فمزقت ثيابها قالت : فما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم . قلت لها : اصبري حتى أعقلها . قالت : ففهمناها سليمان . فشددت لها الناقة وقلت : اركبي . فركبت فقالت : سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون . قال : فأخذت بزمام الناقة وجعلت أسعى وأصيح فقالت : واقصد في مشيك واغضض من صوتك ، فجعلت امشي رويدا وأترنم بالشعر فقالت : واقرءوا ما تيسر من القرآن . فقلت لها : لقد أوتيت خيرا كثيرا . قالت : وما يتذكر إلا أولوا الألباب . فلما مشيت بها قليلا قلت لها : ألك زوج ؟ قلت : يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم . فسرت حتى أدركت القافلة فقلت لها : هذه القافلة من لك فيها ؟ قالت : المال والبنون زينة الحياة الدنيا . فعلمت أن لها أولادا قلت : فما شأنهم في الحج ؟ قالت : وعلامات وبالنجم هم يهتدون . فعلمت أنهم أدلاء الركب فقصدت بها القباب والعماريات فقلت : هذه القباب فمن لك فيها ؟ قالت : واتخذ اللّه إبراهيم خليلا ، وكلم اللّه موسى تكليما ، يا يحيى خذ الكتاب بقوة . فناديت يا موسى يا إبراهيم يا يحيى فإذا بشبان كأنهم الدنانير قد أقبلوا فلما استقرّ بهم الجلوس قالت : فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه ، فمضى أحدهم فاشترى طعاما فقدموه فقالت : كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية وقلت : الآن طعامكم علي حرام فأخبروني بأمرها . فقالوا : إنها أمنا ولها منذ أربعين سنة لا تتكلم إلا بالقرآن مخافة أن تزل فيسخط عليها الرحمن . سئل محمد بن سيرين عن الرجل يقرأ عليه القرآن فيصعق ، فقال : ميعادنا بيننا وبينهم على حائط فقرأ عليهم القرآن فإن سقط فهو كما قالت . كتب ابن رقيق العبد إلى ابن نباته وهو في سفره :