المحقق البحراني

13

الكشكول

كانوا يبالون بمخالفة هذا الأمر وأمثاله من مخالفة نصوصه عليه السّلام أن رأوا المصلحة في الإسلام في غيرها ، ألا تراه كيف نص على إخراج أبي بكر وعمر في جيش أسامة ولم يخرجا لما رأيا في مقامهما مصلحة للدولة والملة وحفظا للبيضة ودفعا للفتنة . وقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يخالف في أمثال هذا وهو حي فلا ينكره ولا يرى به بأسا . ثم نقل شطرا من المواضع التي خولف فيها إلى أن قال : وقد أطبقت الصحابة اطباقا واحدا على ترك كثير من النصوص لما رأوا المصلحة في ذلك وعملوا بمقتضى ما يغلب في ظنونهم من المصلحة ولم يقعوا مع موارد النص ، حتى اقتدى بهم الفقهاء من بعد ، فرجح كثير منهم القياس على النص حتى استحالت الشريعة وصار أصحاب القياس أصحاب شريعة جديدة كأنهم كانوا يقيدون نصوصه المطلقة بقيد غير مذكور وكأنهم كانوا يفهمونه من قرائن أحواله ، وتقدير ذلك القيد فعلوا كذا من رأيتموه مصلحة إلى أن قال : ومما جرى عمر على بيعة أبي بكر والعدول عن علي مع ما كان يسمعه من الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في أمره أنه أنكر على الرسول أمورا اعتمدها فلم ينكر عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بل رجع في كثير منها إليه وأشار عليه بأمور نزل القرآن فيها بموافقة فاطمة ذلك في الإقدام على اعتماد كثير من الأمور التي كان يرى فيها المصلحة مما هي على خلاف النص ، وذلك نحو إنكاره في الصلاة على عبد اللّه بن أبي الموافق وإنكاره فداء أسارى بدر وإنكاره عليه تبرج نسائه وإنكاره عليه قضية الحديبية وإنكاره أمان العباس لأبي سفيان بن حرب وإنكاره أمره عليه السّلام من قال : « لا إله إلا اللّه دخل الجنة » وإنكاره على النساء بحضرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هيبتهن له دون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى غير ذلك من أمور كثيرة تشتمل عليها كتب الحديث ، ولو لم يكن إنكاره قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في مرضه : « آتوني بدواة وبيضاء أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي أبدا » وقوله ما قال وسكوت النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وأعجب الأشياء أنه قال ذلك اليوم : حسبنا كتاب اللّه ، فافترق الحاضرون من المسلمين في الدار فبعضهم يقول : القول ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وبعضهم يقول : ما قال عمر ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقد كثر اللغط وعلت الأصوات : قوموا عني فما ينبغي لنبي أن يكون عنده هذا التنازع ، فهل بقي للنبوة مزية أو فضل إذا كان الاختلاف قد وقع بين القولين فرجح قوم هذا وقوم هذا ، فليس هذا دالا على أن القوم قد سووا بينه وبين عمر وجعلوا القولين مسألة خلاف ذهب كل فريق منهم إلى نصرة واحد منهما كما يختلف اثنان من عرض المسلمين في بعض الأحكام فينصر قوم هذا وذاك آخرون ، فمن بلغت قوته وهمته إلى هذا كيف ينكر منه أن يبايع أبا بكر المصلحة يراها ويعدل عن النص ، ومن الذي كان