المحقق البحراني
11
الكشكول
يهذي ويهجر فعاد إساءة الأدب غضا طريا ، ثم كيف يظن في شأن النبي أن يهذي ويتكلم بكلام المرضى مع ما ورد في شأنه من قوله تعالى : ( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ) ومع ما ذكر في المشكاة وغيره أنه صلوات اللّه عليه بعد مطالبة الكتاب ومخالفة الأصحاب وصدور العتاب أمرهم بثلاث قال : اخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بما كنت أجيزهم إلى آخره ، وهل يكون هذا مقالة من غلب عليه الوجع ويتكلم بهذيان المرضى ؟ كلا لا يكلم بنسبة هذا إلى سيد الأنبياء إلا الذين في قلوبهم مرض فزادهم اللّه مرضا وأما ما نقله الناصب عن علماء السوء من أن عمر خاف أن يكتب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم شيئا لا يفهمه المنافقون الخ . فمع أن حاصله يرجع إلى الخوف أن يكتب صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هذيانا وهذرا فيه دليل على نفاقهم في الدين وخروجهم عن الطريق الواضح المبين وإن بقي في المدينة من المنافقين من يحتاجون إلى عرض كتاب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أو يعتد بفهمه ويصار في ذلك إليه ، ثم كيف يوجب اعوجاج فهم شرذمة قليلة من المنافقين الخاملين وقوع الاختلاف بين جماهير المسلمين الذين كانوا لأوضاع الكلام فاهمين لولا أن غالب من عبر عنهم بالمسلمين كانوا مخالفين للنبي وآله الطاهرين ، مع أنا نعلم أن طعن المنافقين وشرهم لم يكن أقبح ولا أشد مما فعله هو بحضرة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من نسبة الهجر إليه والهذيان . ومن العجب أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « ائتوني بقرطاس أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي » ولم يقبلوا قوله ولم ينقادوا لأمره بل قالوا فيه مرة قد غلب الوجع وأخرى اهجر أو ليهجر ، ولما كتب أبو بكر في مرض موته : « إني استخلفت عمر فإن عدل فذلك ظني به ورأيي فيه وإن بدل وجار فلكل امرئ ما اكتسبت يداه » قبلوا قوله ووصيته وانقادوا لأمره وأخذوا بمنزلة النصوص مع أن كتاب أبي بكر كان على وجه يقيم الناظر في مقام الطعن والتردد حيث تردد في شأن عمر بقوله فإن عدل وبدل . إن وصية النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان على وجه القطع والتعيين ، وأعجب من هذا أنهم يستدلون على خلافة عمر بأن أبا بكر نص عليه بها مع أن ذلك وقع منه في حال المرض أيضا بإجماع الكل فكيف لا يحتمل كلام أبي بكر الهذيان والهذر واحتمل كلام النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ذلك ؟ فهل كان أبو بكر أكمل من النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولنعم ما قال بعضهم في هذا المعنى : أوصى النبي فقال قائلهم * قد ظل يهجر سيد البشر وأرى أبا بكر أصاب ولم يهجر * وقد أوصى إلى عمر إلى آخر كلامه أفاض اللّه عليه سوانح إكرامه .