المحقق البحراني

37

الكشكول

ما حكاه في مجالس المؤمنين أنه ( عطر اللّه مرقده ) في أوائل الحال كان معتكفا في زاوية العزلة والخمول ، مشتغلا بتحقيق حقائق الفروع والأصول ، فكتب إليه فضلاء الحلة والعراق صحيفة تحتوي على عذله وملامته على هذه الأخلاق وقالوا : العجب منك انك على شدة مهارتك في جميع العلوم والمعارف وحذاقتك في تحقيق الحقائق وابداع اللطائف قاطن في طلول الاعتزال ومخيم في زاوية الخمول الموجب لخمود نار الكمال . فكتب في جوابهم هذه الأبيات : طلبت فنون العلم ابغي بها العلا * فقصر بي عما سموت به القل تبين لي ان المحاسن كلها * فروع وان المال فيها هو الأصل فلما وصلت هذه الأبيات إليهم كتبوا إليه أنك أخطات في ذلك خطأ ظاهرا وحكمك باصالة المال عجيب بل اقلب تصب ، فكتب في جوابهم هذه الأبيات وهي لبعض الشعراء المتقدمين : قد قال قوم بغير علم * ما المرء إلا بأكبريه فقلت قول امرئ حكيم * ما المرء إلا بدرهميه من لم يكن درهم لديه * لم تلتفت عرسه إليه ثم إنه ( عطر اللّه مرقده ) لما علم أن مجرد المراسلات والمكاتبات لا تنفع الغليل ولا تشفي العليل توجه إلى العراق لزيارة الأئمة المعصومين عليهم السّلام وإقامة الحجة على الطاعنين ، ثم إنه بعد الوصول إلى تلك المشاهد العلية لبس ثيابا خشنة عتيقة وتزيا بهيئة رثة بالاطراح والاحتقار خليقه ودخل بعض مدارس العراق المشحونة بالعلماء والحذاق فسلم عليهم فرد بعضهم عليه السلام بالاستثقال والامتناع التام ، فجلس ( عطر اللّه مرقده ) في صف النعال ولم يلتفت إليه أحد منهم ولم يقضوا واجب حقه ، وفي أثناء المباحثة وقعت بينهم مسألة مشكلة دقيقة كلت عنها أفهامهم وزلت فيها اقدامهم ، فأجاب ( روح اللّه تعالى روحه ) وتابع فتوجه بتسعة جوابات في غاية الجودة والدقة ، فقال له بعضهم بطريق السخرية والتهكم : يا حيلك طالب علم ، ثم بعد ذلك احضر الطعام فلم يؤاكلوه ( قدس اللّه سره ) بل أفردوه بشيء قليل في طرف على حدة واجتمعوا هم على المائدة ، فلما انقضى ذلك المجلس قام ( قدس اللّه سره ) . ثم إنه عاد في اليوم الثاني إليهم ، وقد لبس ملابسا فاخرة وهيئة الأكمام واسعة وعمامة كبيرة رائقة فلما قرب وسلم عليهم قاموا إليه تعظيما واستقبلوه