المحقق البحراني
261
الكشكول
تعالى في أنوار القيامة مع وجود الدلائل من الكتاب والسنة ، على أن الإحباط الذي هو الموازنة بين الأعمال واسقاط المتقابلين وابقاء الرجحان حق لا شك فيه ولا ريب يعتريه ، ومثل قولهم : ان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يحصل له الإسهاء من اللّه تعالى في صلاة قط تعويلا على ما قالوه من أنه لو جاز السهو في الصلاة لجاز عليه في الأحكام ، مع وجود الدلائل الكثيرة من الأحاديث الصحاح والحسان والموثقات والضعفاء والمجاهيل على حصول مثل هذا الإسهاء ، وعلل في تلك الروايات بأنه رحمة للأمة لئلا يعبر الناس بعضهم بعضا بالسهو ، وسنحقق هذه المسألة في نور من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى ، إلى غير ذلك من مسائل الأصول . وأما مسائل الفروع فمدارهم على طرح الدلائل النقلية والقول بما أدت إليه الاستحسانات العقلية وإذا عملوا بالدلائل النقلية يذكرون أولا الدلائل العقلية ثم يجعلون دليل النقل مؤيدا لها وعاضدا إياها ، فيكون المدار والأصل إنما هو العقل . وهذا منظور فيه لأنا نسألهم عن معنى الدليل العقلي الذي جعلوه أصلا في الأصولين وفي الفروع فنقول : إذا أردتم ما كان مقبولا عند عامة العقول فلا يثبت ولا يبقى لكم دليل عقلي وذلك كما تحققت أن العقول مختلفة في مراتب الإدراك وليس لها حد يقف عنده ، فمن ثم ترى كلا من اللاحقين يتكلم على دلائل السابقين ويأتي بدلائل أخرى على ما يذهب إليه ، ولذلك لا ترى دليلا واحدا مقبولا عند عامة العقلاء والأفاضل ، وإن كان المطلوب متحدا فإن جماعة من المحققين قد اعترفوا بأنه لم يتم دليل من الدلائل على إثبات الواجب ، وذلك أن الدلائل ذكروها مبنية على بطلان التسلسل ولم يتم برهان على بطلانه فإذا لم يتم دليل على هذا المطلب الجليل الذي توجهت إلى الاستدلال عليه كافة الخلق فكيف يتم على غيره مما توجهت إليه أحاد المحققين ؟ وإن كان المراد به ما كان مقبولا بزعم المستدل به واعتقاده فلا يجوز لنا تكفير الحكماء والزنادقة ولا تكفير المعتزلة والأشاعرة ولا الطعن على من ذهب إلى مذهب يخالف ما نحن عليه ، وذلك أن أهل كل مذهب اسندوا في تقوية ذلك المذهب إلى دلائل كثيرة من العقل وكانت مقبولة في عقولهم معلومة لهم ولم يعارضها سوى دليل العقل لأهل القول الآخر أو لدلائل النقل ، وكلاهما لا يصلح للمعارضة على ما قلتم لأن دليل النقل يجب تأويله ودليل العقل لهذا الشخص لا يكون حجة على غيره لأن عنده مسألة ويجب عليه العمل بذلك . مع أن الأصحاب ( رضوان اللّه عليهم ) ذهبوا إلى تكفير الفلاسفة ومن يحذو حذوهم وتفسيق أكثر طوائف المسلمين ، وما ذاك إلا لأنهم لم يقبلوا منهم تلك الدلائل ولم يعدوها من دلائل العقل .