المحقق البحراني

191

الكشكول

عن علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن العباس بن عمر الفقيمي أن ابن أبي العوجاء وابن طالوت وابن الأعمى وابن المقفع في نفر من الزنادقة كانوا مجتمعين في الموسم بالمسجد الحرام وأبو عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام فيه إذ ذاك يفتي الناس ويفسر لهم القرآن ويجيب عن المسائل بالحجج والبينات ، فقال القوم لابن أبي العوجاء : هل لك في تغليطك هذا الجالس وسؤاله عما يفضحه عند هؤلاء المحيطين به فقد ترى فتنة الناس به وهو علامة زمانه ، فقال لهم ابن أبي العوجاء : نعم ، ثم تقدم ففرق الناس ثم قال : يا أبا عبد اللّه ان المجالس أمانات ولا بد لكل من له سؤال يسأل فتأذن لي في السؤال ، فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام : سل ان شئت ، فقال له ابن أبي العوجاء : إلى كم تدرسون هذا البيدر وتلوذون بهذا الجهر وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب والمدر وتهرولون هرولة البعير إذا نفر من فكر في ذلك وتدبر علم أنه فعل غير حكيم ولا ذي نظر ؟ فقل فإنك رأس هذا الأمر وسنامه وأبوك أسّه ونظامه ، فقال له الصادق عليه السّلام : إن من أضله اللّه وأعمى قلبه استوخم الحق فلم يستعذبه وصار الشيطان وليه وربه يورد مناهل الهلكة ولا يصدره ، وهذا بيت استعبد اللّه به خلقه ليختبر طاعتهم في إتيانه حثهم على تعظيمه وزيارته وجعله قبلة للمصلين ، فهو شعبة من رضوانه وطريق يؤدي إلى غفرانه ، منصوب على استواء الكمال ومجمع العظمة والجلال ، خلقه اللّه تعالى قبل دحو الأرض بألفي عام فأحق من أطيع فيما أمر وانتهى عما زجر اللّه تعالى المنشئ للأرواح والصور ، فقال له ابن أبي العوجاء : ذكرت أبا عبد اللّه فأحلت على غائب ! فقال الصادق عليه السّلام : كيف يكون يا ويلك غائبا من هو مع خلقه شاهد وإليهم أقرب من حبل الوريد يسمع كلامهم ويعلم أسرارهم لا يخلو منه مكان ولا يشتغل به مكان ولا يكون من مكان أقرب من مكان ، يشهد له بذلك آثاره ويدل عليه أفعاله ، والذي بعثه بالآيات المحكمة والبراهين الواضحة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم جاءنا بهذه العبادة ، فإن شككت في شيء من أمر فاسأل عنه أوضحه . قال : فأبلس ابن أبي العوجاء ولم يدر ما يقول وانصرف من بين يديه ، فقال لأصحابه : سألتكم أن تلتمسوا إلى جمرة فألقيتموني على جمرة ، فقالوا له : اسكت فو اللّه لقد فضحتنا بحيرتك وانقطاعك ، وما رأينا أحقر منك اليوم في مجلسه . فقال لهم : أتقولون هذا انه من حلق رؤوس من ترون وأومأ بيده إلى أهل الموسم . بيان : الطوب بالضم الآجر . يقال لطعام « وخيم » أي غير موافق واستوخمه لم يستمره . وقوله اللّه المنشئ خبر لقوله أحق . ويقال ابلس أي يئس وتحير .