المحقق البحراني

182

الكشكول

سمعت ضجة عظيمة في القفل لحقت أوله بآخره فسألت عن القصة فقال رجل من القوم : تقدم تر ما بالناس ، فتقدمت إلى أول القافلة فإذا أنا بشجاع أسود فاغر فاه كالجذع وهو يخور كما يخور الثور ويرغو كرغاء الإبل ، فهالني أمره وبقيت لا أهتدي إلى ما أصنع في أمره فعدلنا عن طريقه إلى ناحية أخرى فعارضنا ثانيا فعلمت أنه ليث ولم يجترئ أحد من القوم أن يقربه ، فقلت : أفدي هذا العالم بنفسي وأتقرب إلى اللّه تعالى بخلاص هذه القافلة من هذا ، فأخذت قربة من الماء فتقلدتها وسللت سيفي وتقدمت ، فلما رآني منه سكن وبقيت متوقعا منه وثبة يبلغني فيها فلما رأى القرية فتح فاه وجعلت فم القربة في فيه وصببت الماء كما يصب في اناء ، فلما فرغت القربة تسيب في الرمل ومضى ، فتعجبت من تعرضه لنا وانصرافه عنا من غير سوء لحقنا منه ، ومضينا لحجنا ثم عدنا في طريقنا ذلك وحطينا في منزلنا ذلك في ليلة مظلمة مدلهمة فأخذت شيئا من الماء وعدلت إلى ناحية من الطريق فقضيت حاجتي ثم توضأت وصليت وجلست أذكر اللّه سبحانه فأخذت عيناي النوم فنمت مكاني فلما استيقظت من النوم لم أجد للقافلة حسا وقد ارتحلوا وبقيت منفردا ولم أهتد إلى ما أفعله وأخذتني حيرة وجعلت اضطرب ، وإذا بصوت هاتف اسمع صوته ولا أرى شخصه يقول : يا أيها الشخص المدل بركبه * ما عنده من ذي رشاد يصحبه دونك هذا البكر منا فاركبه * وبكرك الميمون هذا فاجنبه حتى إذا ما الليل زال غيهبه * فحط عنه رحله وسيبه فنظرت فإذا أنا ببكر قائم عندي وبكري إلى جانبي ، فأنخته وركبته وجنبت بكري فلما سرت قدر عشرة أميال لاحت لي القافلة وانفجر الفجر ووقف البكر ، فعلمت أنه قد حان نزولي فتحولت إلى بكري وقلت : يا أيها الركب قد أنجيت من كرب * ومن هموم تضل المدلج الهادي الا تخبرنا باللّه خالقنا * من ذا الذي جعل المعروف في الوادي وارجع حميدا فقد أبلغت مأمننا * بوركت من ذي سنام رائح غادي فالتفت البكر إلي وسمعته يقول : أنا الشجاع الذي الفيتني رمضا * واللّه يكشف ضر الحائر الصادي فجدت بالماء لما ظنّ حامله * تكرّما منك لم تمنن بانكادي فالخير أبقى وإن طال الزمان به * والشر أخبث ما أوعيت من زاد