محمد بن عبد الله الشبلي الدمشقي

94

محاسن الوسائل في معرفة الأوائل ( مع تعليقات السوبيني )

المسجد الحرام على دور مكة أو على الحرم ليس من قبيل حقيقة اللفظ قطعا بل من باب التغليب المسوّغ للمجاز المتوسّع فيه ، هذا مما لا يرتاب فيه . وقد قال سبحانه وتعالى : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ « 1 » ولم يقل أحد من المسلمين بالاكتفاء بالتوجه إلى المسجد المحيط بالكعبة ، فضلا عن بقية دور مكة . بل أجمعوا على أن المراد بالمسجد الحرام في هذه الآية « الكعبة » فقط ، وهذا هو أصل حقيقة اللفظ ، وهو المعني بقوله تعالى : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ « 2 » ، وبقوله صلّى اللّه عليه وسلم لما سأله أبو ذرّ عن أول مسجد وضع بالأرض فقال : ( المسجد الحرام ) . فاستعماله بعد ذلك في المسجد المحيط بالكعبة ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلم : ( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في ما سواه ، إلا المسجد الحرام ) على وجه التغليب المجازيّ . ففي قوله تعالى : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ « 3 » على قول من يقول : إن المراد به مكة ، لأنه صلّى اللّه عليه وسلم كان في بيت أمّ هانىء لمّا أسري به . وفي قوله تعالى : ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ « 4 » على قول من يقول : إن المراد به الحرم الخارج عن مكة كلّه أولى أن يكون مجازا ، ولا ريب فيه ، وإلا لزم الاشتراك في موضع لفظ المسجد والمجاز أولى منه . فكيف يقال بالاشتراك والفهم متبادر عند الإطلاق لهذا اللفظ إلى الكعبة أو إليها مع المسجد حولها ، ولا يتبادر إلى مكة كلّها إلا بقرينة ؟ ولذلك إلى الحرم المحدود ، وحينئذ فيطلق ما بنى عليه ابن المنير من منع بيع دور مكة لإطلاق المسجد عليها ، وليس مأخذ المنع من

--> ( 1 ) سورة البقرة 2 ، الآية : 144 . ( 2 ) سورة آل عمران 3 ، الآية : 96 . ( 3 ) سورة الإسراء 17 ، الآية : 1 . ( 4 ) سورة البقرة 2 ، الآية : 196 .