أسعد بن مهذب بن مماتي

13

كتاب قوانين الدواوين

ومن عجيب ما جرى للخطير أنه كان يوما جالسا في ديوانه في حجرة موسومه بديوان الجيش من قصر السلطان بمصر ، وكانت حجرة حسنة مرخمة منمقة ، فجاءه قوم وقالوا له : قم من ها هنا . فقال لهم : ما الخبر ؟ فقالوا : قد تقدّم الملك العادل أبو بكر بن أيوب بأخذ رخام هذه الحجرة وأن يعمّر به موضعا آخر . فخرج منكسرا كاسفا ، فقيل له في ذلك فقال : قد استجيبت فينا دعوة ، وما أظنني أجلس في ديوان بعدها . أما سمعتم إذا بالغوا في الدعاء علينا قالوا خرب اللّه ديوانه ؟ وما بعد الخراب إلا اليباب . ثم دخل منزله أو حمّ فلم يخرج منه إلا ميتا ، فلما مات خلفه ابنه الأسعد هذا على ديوان الجيش وتصدر فيه مدة طويلة ، ثم أضيف إليه في الأيام الصلاحية والعزيزية ديوان المال ، وهو أجلّ ديوان من دواوين مصر ، وتصدر فيه واختص بصحبة القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيسانى ونفق « 1 » عليه ، وحظى عنده ، وكرم لديه ، فقام بأمره ، وأشاع من ذكره ، ونبّه على فضله ، وصنّف له عدة تصانيف باسمه . ولم يزل على ذلك إلى أن ملك الملك العادل أبو بكر بن أيوب الديار المصرية ، وكان وزيره والمدبر لدولته الصفى عبد اللّه بن علي بن شكر ، وكان بينه وبين الأسعد ذحل « 2 » قديم أيام رياسته عليه ، ووقعت من الأسعد إهانة في حق ابن شكر فحقدها عليه إلى أن تمكّن منه . فلما ورد مصر أحضر الأسعد إليه ، وأقبل بكلّيته عليه ، وفوّض إليه جميع الدواوين التي كانت باسمه قديما ، وبقي على ذلك سنة كاملة ، ثم عمل له المؤامرات ، ووضع عليه المحالات ، وأكثر فيه التأويلات ، ولم يلتفت إلى أعذاره ، ولا أعاره طرفا لاعتذاره ، فنكبه نكبة قبيحة ، ووجّه عليه أموالا كثيرة ، وطالبه بها فلم يكن له وجه لأنه كان عفيفا ذا مروءة ، فأحال عليه الأجناد فقصدوه

--> ( 1 ) لعله يقصد « وتفقه » . ( 2 ) أي ثأر أو عداوة .