يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

88

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

سلبتهم أديانهم وعقولهم * أرأيت فاقد ذين مهتما وقال المعري : إذا حلت الخمر في دار قوم * فقد رحل الدين عن دارهم فما وقفوا عند إيرادهم * وما صدروا عند إصدارهم وفي رفع أصواتهم بالغنا * دليل على حط أقدارهم وهذا الشاعر أيضا قد صدق فيما نطق به ، نطق أن شارب الطلا ليس من العقلا . ولذلك قال بعض الظرفاء لما دعاه للمنادمة أحد الأمراء فاحتال على نفسه بأن قال : ليس بحرام ما أحللت ولكني أنهى عنه أهل طاعتي وأكره أن أنهي عن شيء ثم أفعله فأكون كما قال اللّه تعالى : وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ [ هود : 88 ] . ومثل هذا هذا اعترى لنصيب الشاعر وكان أسود اللون لكنه من أهل الصيانة والصون ، دعاه بعض الولاة للمنادمة فقال : أصلح اللّه الأمير ، إني كما ترى أسود اللون وإنما أقعدني منك هذا المقعد عقلي ، فلا أحب أن أدخل عليه ما ينقصه . ومن أجل هذا المعنى تركها أقوام في الجاهلية وحرموها على أنفسهم تعففا وتظرفا وتكرما وتأثما ، كأبي بكر الصديق وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وعباس بن مرداس وقيس بن عاصم وغيرهم رضي اللّه عنهم . قيل لعباس بن مرداس حين كبر : لو أخذت من الشراب شيئا فإنه يزيد في قوتك . فقال : أصبح سيد قومي وأمسي سفيههم ؟ ! لا أدخل رأسي شيئا يحول بيني وبين عقلي . وقيل : هؤلاء في الجاهلية ولم يدركوا تحريمها في الإسلام : عبد المطلب بن هاشم جدّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وورقة بن نوفل ، وعبد اللّه بن جدعان ، وشيبة بن ربيعة ، والوليد بن الوليد ، وعامر بن الظرب ، وغيرهم . وشربها قوم في الإسلام قبل تحريمها ، فلما نزل تحريمها بادروا في الأوان إلى كسر الأواني وإلى شق الزقاق وسفك ما فيها في الزقاق ، ومنهم أيضا من شربها متأولا قول اللّه تعالى : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ المائدة : 93 ] ، فشربها أبو جندل واسمه العاصي بن سهيل ، وشربها معه أبو الأزور ، وضرار بن الخطاب ، وهم بالشام . فكتب أبو عبيدة بن الجراح بذلك إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهم فأمره أن يحدّهم . فلما جاء الكتاب بذلك قالوا لأبي عبيدة : دعنا نلقى العدوّ فإن قتلنا فذاك وإلا حددتمونا . فلقوا العدوّ فقتل أبو