يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

68

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

رزقك بخلقك ، فإن استطعت أن تزيد في واحد منهما ، فإن من الخلق المحتال الجلد البطش ولا يزداد إلا فقرا ، ومنهم الضعيف الواهن المهين ولا يزداد ماله إلا كثرة . ولو كان من الحيلة لسبق القوي الضعيف إلى كل شيء . وقال الشاعر : قد يرزق المرء لا من فضل حيلته * ويصرف الرزق عن ذي الحيلة الداهي ما نالني من غنى يوما ولا عدم * إلا وقلت عليه الحمد للّه وقال آخر : قد يرزق المرء لا من فضل حيلته * لكن جدود بأرزاق وأقسام كالصيد يحرمه الرامي المجيد وقد * يرمى فيرزقه من ليس بالرامي وقيل لبعضهم : من أين تأكل ؟ فقال : لو كنا نعلم من أين نأكل لطال جوعنا . وقيل لآخر كذلك : من أين تأكل ؟ فقال : ليس هذا لي ، ولكن قل لربك من أين تطعم . وكذلك يروى أن حكيما سئل : ما بال العاقل محروما والأحمق مرزوقا ؟ فقال : أراد الصانع أن يدل على نفسه ، ولو كان كل عاقل مرزوقا أو كل أحمق محروما لوقع في العقول أن العاقل رزق نفسه والأحمق حرم نفسه . فلما رأوا الأمر بخلاف هذا علموا أن الصانع هو الرزاق . وقال حكيم آخر : السبب الذي أدرك به العاجز حاجته هو الذي أقعد الحازم عن درك بغيته ، والأمر الذي يحول بين العاقل وسعة الرزق هو الذي يوصل الجاهل إلى نيله ، وفي كل شيء حيلة إلا في القضاء ، وكل شيء يستطاع نقله إلا الطباع . وقال الشاعر : وتأبى الطباع على الناقل وقال آخر : إن التخلق يأبى دونه الخلق وقال مجاهد : الشقاء والسعادة لا يمحيان . وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [ الرعد : 39 ] إلا الشقاء والسعادة والحياة والموت . وقال أبيّ بن كعب رضي اللّه عنه : قرأت في اثنين وسبعين كتابا من كتب اللّه عز وجل : من أضاف لنفسه شيئا من الاستطاعة فقد كفر . وبعد هذا فيخرج من هذا كله أنه : لا إله إلا اللّه ، المعطي ، المانع ، الضار ، النافع ، المعزّ ، المذلّ ، الهادي ، المضلّ ، الفعال لما يشاء . والعبد متصرف ، متكلف ، محكوم ، مغلوب ، مقهور ، مطلوب ، لا يملك لنفسه