يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

625

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

عنه أصحابه أنه لما انتهى إلى ذي طوى ؛ وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة حمراء ، وإنه ليضع رأسه تواضعا للّه عز وجل ، حين رأى ما أكرمه اللّه به من الفتح حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل . فمن كانت هذه حالته فكيف ترى كانت قراءته ؟ وأين كان يجول قلبه ؟ ثم في نفس الحديث ما يستشهد به على أن تلك القراءة لم تكن عادته ولا عادة أصحابه ، وذلك قول الراوي ، وهو معاوية بن قرة عن ابن مغفل المتقدّم : لولا أن يجتمع الناس عليكم لرجعت كما رجع ابن مغفل . ثم لم يجد معاوية بدا إذ سئل كيف كان ترجيعه أن يحكي لهم ذلك ، فإنه علم والعلم لا يحل منعه ، فقال : آا آا آا ، ثلاث مرات كما تقدم . ثم أغرب من هذا أنه قد صارت هذه الطريقة اليوم مشهورة ، فأشبهت ما نشأت عندنا ناشئة يتشبهون بالصوفية وهم طفيلية . خرج ثابت رحمه اللّه في الدلائل : عن عبد اللّه بن عمر عن رجل من أهل الشأم قال لأصحابه : دعوني أنعت لكم الأكل . قالوا : نعم . قال : إذا أكلت فابرك على ركبتيك ، وأجحظ عينيك ، وافتح فاك ، وأفرج ما بين أصابعك ، وأعظم لقمتك ، واحتسب نفسك . قال عبد اللّه بن دينار : كما سمعت ابن عمر حدّث بهذا الحديث قط فبلغ قول الشامي : واحتسب نفسك ؛ إلا ضحكت . وفي مثل هذا يقال : يرحمك اللّه يا قتيل يده . ومثله قول الشاعر : فضيف عمرو وعمرو يسهران معا * عمرو لبطنته والضيف للجوع وإذ وقعنا في هذا الباب فلا نخلي من ذكر الطفيليين والصوفيين هذا الكتاب . أما الصوفية فقد ذكر الشيخ الإمام الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد اللّه بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني رحمه اللّه اشتقاق هذه اللفظة ، قال رحمه اللّه : فأما التصوّف فاشتقاقه عند أهل الإشارات والمنبئين عنه بالعبارات من الصفاء والوفاء والقياد ، واشتقاقه من حيث الحقائق التي أوجبت اللغة ، فإنه منتقل من أحد أربعة أشياء ، من : الصوفاته ، وهي : بقلة زغباء قصيرة . أو من : صوفة ، وهي : قبيلة كانت في الدهر الأوّل تجيز الحاج وتخدم الكعبة . أو من : صوفة القفا ، وهي : الشعرات النابتة في مؤخره . أو من : الصوف