يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
61
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
سهل رحمه اللّه : ثبتوا القدر للّه حتى يتخالجكم أن المعاصي هو الذي قدّرها فإذا تخالجكم ذلك فتنزهوا عن المعاصي وثبتوا القدر فإن القدر ثابت . وقد فسر قوله تعالى : يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [ البقرة : 3 ] على أقوال منها القدر . وجاء في الحديث عن معمر رضي اللّه عنه قال : سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقلت : يا رسول اللّه أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقى نتقيها هل تردّ من قدر اللّه تعالى شيئا ؟ قال : هي من قدر اللّه ، فإن قال قائل ما معنى قوله صلى اللّه عليه وسلم : لا يرد القضاء إلا الدعاء ؟ قيل له : قد يكون القضاء والقدر من اللّه تعالى مطلقا وبسبب . فإذا كان مطلقا وقع لا محالة ، وإذا كان بسبب كان الحكم للسبب الآخر وهو القضاء المبرم ، وقد علم اللّه أنه كذا يكون ، ومثاله صلة الرحم تزيد في العمر . مثله في أحد الأقوال : إن اللّه كتب أجله مثلا عشرين سنة إن قطع رحمه ، وإن وصلها بلغه أربعين سنة ، وقد علم اللّه أنه يصلها فيبلغه الأربعين ولا بد . وقوله تعالى : يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [ الرعد : 11 ] فقيل : معناه بأمر اللّه . وأيضا فالحفظ من قدر اللّه فلا بد منه . قلت : والعجب ممن ينكر القدر من أهل الأهواء في الإسلام ، وأهل الكفر قد أثبتوه في جاهليتهم ، هذا لبيد يقول قبل الإسلام : إن تقوى ربنا خير نفل * وبإذن اللّه ريثي والعجل من هداه سبل الخير اهتدى * ناعم البال ومن شاء أضل وقال آخر : هي المقادير فلمني أو فذر * إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر وهذا كثير . قيل لبعضهم بأي شيء عرفت ربك ؟ قال : بنقص عزائمي . وقال ينشد : يريد المرء أن يؤتى مناه * ويأبى اللّه إلا ما يريد يروى عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : كان رجل يكذب بالقدر وكان مسيئا إلى امرأته ، فخرج إلى الجبّانة فوجد قحف رأس مكتوب عليه : يحرق ثم يذرى في الريح ، فأخذه فجعله في سفط ثم دفعه إلى امرأته ، ثم أحسن إليها ثم سافر ، فجاءتها جاراتها فقلن : يا أم فلان بم كان زوجك يحسن الصنيعة إليك فهل استودعك شيئا ؟ قالت : نعم . هذا السفط . قلن : فإن فيه رأس حليلة له . فقامت غيرى مغضبة ففتحته فإذا فيه قحف رأس . قلن : يا أم فلان ما تصنعين فيه أحرقيه ثم ذريه في الريح . ففعلت ، فقدم زوجها من سفره وهي مغضبة فقال لها : ما صنع السفط ؟ فحدثته بالحديث ، فقال :