يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
598
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
وذهب إلى أنه لم يقصد بهذه الألفاظ الذم ؛ قوله عليه الصلاة والسلام في حديث خزيمة : أنعم صباحا تربت يداك ؛ يدل على أنه ليس بدعاء عليه ، بل هو دعاء له وترغيب في استعمال ما تقدمت الوصاة به ، ألا تراه قال : أنعم صباحا ، ثم أعقبها بتربت يداك . والعرب تقول : لا أب لك ولا أم لك ، يريدون : للّه درك ، وأنشد البيت المتقدّم . فصل : [ ومما يشبه ما تقدّم قول سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنه . . . ] ومما يشبه ما تقدّم قول سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنه : فاغفر فدا لك ما اقتنينا قال المازري : وقع في بعض النسخ : ( فاغفر لنا فداك ما اقتفينا ) ، وهذه الرواية سالمة من الاعتراض وأما فدا لك فإنه لا يقال للباري سبحانه : فديتك ، ولا : أفدي الباري ، لأن ذلك إنما يستعمل عند مكروه يتوقع حلوله ببعض الأشخاص ، فيحث شخصا آخر أن يحل به ويفديه منه . ولعل هذا وقع من غير قصد ، كما يقال : قاتله اللّه . وكم قال صلى اللّه عليه وسلم : تربت يمينك ، وويل أمه مسعر حرب . أو يكون فيه ضرب من الاستعارة ، لأن الفادي لغيره قد بالغ في رضى المفدى حين بذل نفسه في محابه ، فكان المراد في هذا الشعر : إني أبذل نفسي في رضاك . واللّه أعلم . وإلى هذا المعنى ذهب الأستاذ أبو القاسم السهيلي رحمه اللّه ، قال في هذه المسألة قوله : فاغفر فدا لك ، قيل : إن الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، أي اغفر لنا تقصيرنا في حقك وطاعتك ، إذ لا يتصوّر أن يقال للّه تعالى مثل هذا الكلام ، وذلك أن معنى قولهم : فدا لك ، أي : فدا لك أنفسنا وأهلونا ، وحذف الاسم المبتدأ لكثرة دوره في الكلام مع العلم به . وإنما يفدي الإنسان بنفسه من يجوز عليه الفناء . وأقرب ما قيل فيه من الأقوال إلى الصواب : إنها كلمة يترحم بها عن محبة وتعظيم ، فجاز أن يخاطب بها من لا يجوز في حقه الفداء ، قصدا لإظهار المحبة والتعظيم له . وإن كان أصل الكلمة ما ذكرنا ؛ فرب كلمة ترك أصلها واستعملت كالمثل في غير ما وضعت له أولا ، كما جاؤوا بلفظ القسم في غير موضع القسم إذا أرادوا تعجبا واستعظاما لأمر ، كقوله صلى اللّه عليه وسلم في