يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

582

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

فهناك يقبل ما تقول ويقتدى * بالعلم منك وينفع التعليم تصف الدواء لذي السقام من الضنا * كيما يصح به وأنت سقيم وأراك تلفح بالرشاد عقولنا * نصحا وأنت من الرشاد عديم لا تنه عن خلق وتأتي مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم وإذا عتبت على السفيه ولمته * في كل ما يأتي فأنت مليم وتقدّم : أوى ؛ بمعنى : رق ، يقال : أويت لفلان : أشفقت عليه . ورأيت حكاية فيها هذه اللفظة فسقتها من أجلها ولما في ضمنها من العظة . يروى أنه كان في بني إسرائيل ملك يفتن الناس على أكل لحوم الخنازير ، فأتي بامرأة من بني إسرائيل يقال لها سارة ، وسبعة بنين لها ، فدعا أكبرهم فقرب إليه لحم الخنزير ، فقال : كل . فقال : ما كنت لآكل شيئا حرمه اللّه عليّ أبدا ، فقطع يديه ورجليه ثم قطعه عضوا عضوا حتى قتله . ثم دعا الذي يليه فقال له : كل . فقال : ما كنت لآكل شيئا حرمه اللّه عليّ أبدا . فأمر بقدر من نحاس فملئت زيتا ثم أغليت ، حتى إذا غلت ألقاه فيها حتى قتله . ثم دعا الذي يليه فقال : كل . فقال : أنت أذل وأقل وأهون على اللّه من أن آكل شيئا حرمه اللّه عليّ أبدا ، فضحك الملك وقال : أتعلمون ما أراد بشتمه إياي ، أراد أن يغضبني فأعجل في قتله ، وليخطئنه ذلك . فأمر فحز جلد عنقه ، ثم أمر به أن يسلخ جلد رأسه ووجهه ، فسلخوه حيا . ولم يزل يقتل كل واحد منهم بلون غير قتل أخيه حتى بقي أصغرهم ، فالتفت إليه وإلى أمه فقال لها الملك : لقد أويت لك مما رأيت ، فانطلقي بابنك فاختلي به وأريديه على أن يأكل لقمة واحدة فيعيش لك . قالت : نعم . فخلت به فقالت : يا بني اعلم أنه كان لي على كل رجل من إخوانك حق ، ولي عليك حقان ، وذلك أني أرضعت كل رجل منهم حولين ، فمات أبوك وأنت حمل ، فنفست بك فأرضعتك لضعفك ورحمتي إياك أربعة أحوال ، فلي عليك حقان ، فأسألك باللّه وحقي عليك إلا ما صبرت ، ولم تأكل شيئا مما حرم اللّه عليك ، فلا ألفين إخوتك يوم القيامة ولست فيهم . فقال : الحمد للّه الذي أسمعني هذا منك ، فإنما كنت أخاف أن تريديني على أكل ما حرم اللّه عليّ . ثم جاءت إلى الملك فقالت : هذا قد أردته ، وعرضت عليه ، فأمره الملك أن يأكل فقال : ما كنت لآكل شيئا حرمه اللّه عليّ ، فقتله وألحقه بإخوته . ثم قال لأمهم : ويلك مما رأيت اليوم ويحك ، فكلي لقمة واحدة ثم أمنع بك ما شئت وأعطيك ما أحببت تعيشين به .