يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
58
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
وبمحاب اللّه تعالى وتخصيص اللّه ، وأما المعاصي فبقضاء اللّه لا برضاء اللّه ، وبعلم اللّه لا بمحاب اللّه وبقدر اللّه لا باختيار اللّه . ويروى أنه لما رجع إلى الشام قام إليه شيخ من أهل الوقعة فقال : يا أمير المؤمنين أخبرنا عن سيرنا هذا أكان بقضاء وقدر ؟ فقال عليّ رضي اللّه عنه : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما وطئنا موطئا ولا هبطنا واديا ولا علونا تلعة إلا بقضاء وقدر . فقال الشيخ : أحتسب عند اللّه عنائي وما أرى لي من الأجر شيئا . فقال له عليّ رضي اللّه عنه : بل قد أعظم اللّه لك الأجر في سيرك وفي رجوعك ولم تكن في شيء من ذلك مكرها ولا مضطرا . فقال الشيخ : وكيف لا أكون كذلك والقضاء والقدر ساقاني وعنهما كان سيري ؟ فقال له عليّ رضي اللّه عنه : لعلك يا شيخ ظننت قضاء اللّه لازما وقدرا حقا ، لو كان ذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد ، وما كانت تأتي من اللّه سبحانه لائمة لمذنب ولا محمدة لمحسن ، إن اللّه سبحانه أمر تخييرا ، ونهى تحذيرا ، وكلف تيسيرا ، ولم يعص مغلوبا ، ولم ينزل القرآن لعبا ، ولم يرسل الأنبياء وخلق السماوات والأرض باطلا ، ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ ص : 27 ] . فنهض الشيخ مسرورا وهو يقول : أنت الإمام الذي نرجو بطاعته * يوم القيامة من ذي العرش رضوانا أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا * جزاك ربي عنا فيه إحسانا انظر كيف أنكر عليّ رضي اللّه عنه على الشيخ قوله وأخبره أن المسير وإن كان بقضاء اللّه فإنه لم يجبرنا عليه ولا اضطرنا إليه ، بل قدره علينا وجعله مطابقا لقصده واختياره ، فالإنسان يعلم بالضرورة كونه قادرا على الحركة كما يعلم عجزه عن السكون في ذلك الزمن ، ويجد فرقا بين حركة ارتعاشه التي اضطر إليها وبين حركته التي ترجع إلى قصده واختياره ، كما يفرق بين حالتيه في القوة والضعف . فقدرة العبد على قدرة اللّه تعالى ومشيئته وإرادته كما تقدم . وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً [ الإنسان : 30 ] . وبهذه الآية احتج سنّيّ على قدريّ . قال القدريّ : قال اللّه تعالى : إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً ( 2 ) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [ الإنسان : 2 - 3 ] فقال له السنّيذ : قرأت أول السورة ولم تقرأ آخرها . وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً [ الإنسان : 30 ] . وهذا الخبر يروى عن عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه . بلغه أن غيلان يقول