يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

539

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

كادوا يهلكوا عطشا وعناء وهم في مفازة لا ماء فيها . فقالوا لأمية : هل عندك غناء أو حيلة ؟ . قال : لعلها ، ثم ذهب حتى جاوز كثيبا فرأى ضوء نار على بعد فاتبعه حتى أتى على شيخ في خباء ، فشكا إليه ما نزل به وبصحبة . وكان الشيخ جنيا ؛ فقال : اذهب فإذا جاءتكم فقل باسمك اللهم سبعا . فرجع إليهم وقد أشرفوا على الهلاك ، فلما جاءتهم الحية قالوا ذلك ، فقالت : تبا لكم من علمكم ؟ فذهبت . وجمعوا إبلهم ، وكان فيهم حرب بن أمية جدّ معاوية ، فقتلته بعد ذلك الجنّ بثأر تلك الحية ، وقالوا فيه : وقبر حرب بمكان قفر * وليس قرب قبر حرب قبر وقد أسلمت عاتكة أخت أمية هذا وخبرت عنه بخبر . ذكر عبد الرزاق أنها جاءت إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فحدثته أنها رأت ؛ وهي في اليقظة ؛ نسرين نزلا على سقف بيتها ، وفيه أمية أخوها نائما ، فشقا السقف ونزل أحدهما على أمية فشق صدره وحشاه بشيء ثم أصلحه وعرج ، فقال له النسر الآخر : هل وعى ؟ . قال : نعم . قال : وهل زكا ؟ . قال : لا . فلذلك كان ينطق بالحكمة في أشعاره ويذكر التوحيد ويعظم الرب ويذكر الجنة والنار . فلما قتل من قتل من أشراف قريش بكاهم ورثاهم ، وحقد على الإسلام وحرم التوفيق ، وفيه أنزل اللّه تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ [ الأعراف : 175 ] ، وكان قد قرأ التوراة والإنجيل في الجاهلية ، وكان يعلم بأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم قبل مبعثه ، فطمع أن يكون هو ، فلما بعث اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم وصرفت النبوة عن أمية حسد وكفر ، وهو أوّل من كتب باسمك اللهم ، ومنه تعلمت قريش . وقدمت الفارعة بنت أبي الصلت ؛ أخت أمية ؛ على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ وكانت ذات عفاف وجمال ؛ فقال لها : أتحفظين من شعر أخيك شيئا ؟ . فأخبرته خبره وما رأت منه وقصت عليه قصته في شق جوفه وإخراج قلبه ثم صرفه بمكانه وهو نائم ، ثم أنشدته من قوله قصيدة أوّلها : باتت همومي تسري طوارقها * أكف عينيّ والدمع سابقها ومنها : ما أرغب النفس في الحياة وإن * تحيى قليلا فالموت لاحقها يوشك من فرّ من منيته * في بعض غراته يوافقها من لم يمت غبطة يمت هرما * للموت كأس والمرء ذائقها وقال عند موته : إن تغفر اللهم تغفر جما * وأي عبد لك لا ألما